انتهت 21 ساعة من التفاوض الشاق بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان بـ"فشل صريح"، تاركة المنطقة على حافة مرحلة جديدة من التوتر، فيما بقي مضيق هرمز، شريان الحياة النفطي العالمي، رهينة الصراع.
ويمثّل انهيار قمة إسلام آباد نقطة تحول خطيرة، فقد كسرت المحادثات جدار الثقة المفقود منذ عقود، لكنها كشفت في الوقت نفسه عمق الخلافات الاستراتيجية التي تهدد استقرار الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي.
وفي ليلة طويلة امتدت من غروب شمس الجمعة إلى شروقها في صباح الأحد، داخل فندق سيرينا في إسلام آباد، انهار أعلى حوار مباشر بين الولايات المتحدة وإيران منذ "الثورة الإسلامية" عام 1979، بحسب تقرير لشبكة "سي إن إن".
على الجانب الإيراني، كان رئيس البرلمان، والقائد العسكري البارز محمد باقر قاليباف، أما من الجانب الأمريكي، فقد حرص الرئيس دونالد ترامب على إيفاد نائبه "كاره الحروب"، جيه دي فانس، في خطوة اعتبرت رغبة حقيقية من البيت الأبيض لإنهاء الحرب التي استمرت 38 يومًا وتوقفت لهدنة من 14 يومًا.
بعد فشل المفاوضات الماراثونية تبادلت واشنطن وطهران إلقاء اللوم، إذ اعتبرت الولايات المتحدة أنها قدمت "أفضل عرض نهائي"، وأغلقت الباب مؤقتًا، فيما ردت إيران بأنها لم تغلق الباب أمام جولات جديدة، واعتبرت الفشل ناتجًا عن "مطالب أمريكية مفرطة"، وأعلنت باكستان أنها تسعى لتنظيم جولة ثانية "خلال أيام".
دخل الوفدان إلى الغرفة المغلقة بمطالب متضادة تمامًا، فالأمريكيون أصروا على ثلاثة شروط أساسية، وهي تعهد إيراني صريح بعدم امتلاك سلاح نووي، وضمان فوري لحرية الملاحة في مضيق هرمز، وآلية رقابة دولية صارمة تضمن تنفيذ أي اتفاق.
أما الإيرانيون فتمسكوا بثلاثة خطوط حمراء "لا يمكن تجاوزها"، وهي الحفاظ على حق التخصيب النووي كحق سيادي مشروع، ورفض أي قيود على برنامجهم الصاروخي الباليستي، والإفراج الفوري عن نحو 27 مليار دولار من الأموال المجمدة في الخارج مع تعويضات عن أضرار الحرب.
وكانت النقاط الثلاث الرئيسة للخلاف، وفق تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، تتمحور حول مضيق هرمز، فقد طالبت واشنطن بإعادة فتحه فورًا أمام جميع السفن، بينما أكدت طهران أنها لن تتنازل عن سيطرتها الاستراتيجية إلا بعد اتفاق سلام نهائي.
فيما كانت العقدة الثانية بمخزون اليورانيوم الذي يبلغ نحو 900-1000 رطل من "عالي التخصيب" الذي يكاد يكون صالحًا لصنع قنبلة نووية، وطالب ترامب بتسليمه أو بيعه كاملاً، وهو ما رفضته إيران.
وتجسّدت العقدة الثالثة في الأموال والعقوبات، حيث طلبت طهران الإفراج الفوري عن الأرصدة المجمدة في العراق ولوكسمبورغ والبحرين واليابان وقطر وتركيا وألمانيا لإعادة الإعمار، وهو ما رفضته واشنطن.
بينما وصفت المصادر الإيرانية الجلسات بأنها "ودية وهادئة"، رغم التباعد الشديد، لكن التصريحات المتبادلة كشفت الطرفين لم يتفقا حتى على تفسير الهدنة السابقة، خاصة ما إذا كانت تشمل لبنان.
كما أبرز تقرير "سي إن إن" اختلافًا جوهريًا في الأسلوب، فقد سعى فانس لحل سريع نسبيًا بعد أسبوعين من الهدنة، بينما تتحرك طهران ببطء وتفاوض على المدى الطويل.
بعد ساعات من إعلان الفشل، أعاد ترامب نشر مقال على منصة "تروث سوشال" بعنوان "الورقة الرابحة التي يحملها الرئيس إذا لم تنحنِ إيران: حصار بحري".
وأشار المقال إلى إمكانية استخدام حاملتي الطائرات "يو إس إس جيرالد فورد" و"يو إس إس أبراهام لينكولن" لفرض سيطرة كاملة على مضيق هرمز، مستلهمًا تجربة فنزويلا.
واقترح خبراء عسكريون أمريكيون مثل ريبيكا غرانت وجاك كين احتلال جزيرة خرج، المحطة النفطية الرئيسة لإيران، لخنق الصادرات دون تدمير البنية التحتية.
يواجه ترامب الآن 3 سيناريوهات، جميعها محفوفة بالمخاطر، وفق تقرير صحيفة "نيويورك تايمز"، وهي مفاوضات مطوّلة، بما تمثّله من كابوس سياسي يتعارض مع صورته "القوية" ويذكّر باتفاق سلفه باراك أوباما الذي استغرق عامين.
السيناريو الثاني هو الحرب الكبرى، فالهدنة تنتهي في 21 أبريل، ما يعني استمرار إغلاق هرمز وفقدان 20% من إمدادات النفط العالمية، مع ارتفاع التضخم الذي بلغ 3.3%، أما السيناريو الثالث فهو صراع ممتد حول هرمز، يبقي أسواق الطاقة في حالة توتر دائم ويرهق الاقتصاد العالمي، ما قد يفضي إلى اختيار ترامب لخياره الجذاب، الحصار البحري.
في المقابل، لا تزال إيران تمتلك أوراقًا مؤثرة، كما تؤكد "وول ستريت جورنال"، لافتة إلى أن طهران خرجت من خمسة أسابيع من القصف الأمريكي والإسرائيلي وهي تحتفظ بمعظم المكونات اللازمة لصنع سلاح نووي، من أجهزة طرد مركزي، ومخزون يورانيوم شبه مخصب، نصفه مدفون في أنفاق تحت أصفهان.
ورغم تدمير منشآت فوردو وناتانز وأصفهان، ترى "وول ستريت جورنال" أن "إيران لن تتخلى عن هذه المواد بسهولة"، مما يعطيها نفوذًا تفاوضيًا قويًا.