عُرفت ليبيا خلال حقبة الجماهيرية بسخائها لصالح دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، في سياسة مثيرة للجدل قربّتها من مشروع الوحدة القارية التي انهارت بانهيار زعيمها، لكن تبرز محاولة أخرى تقودها حكومات الساحل لتوحيد القارة.
وكان هدف القذافي بناء أتباع من الزعماء الأفارقة المدينين له بسخائه، والذين من شأنهم أن يمكّنوه من تحقيق حلمه بأن يصبح رئيسًا للقارة السمراء.
وفي عام 1999، وبدافع منه، أُعلن عن زوال منظمة الوحدة الأفريقية واستبدالها بالاتحاد الأفريقي، الذي عُقدت دورته الافتتاحية في سرت، مسقط رأسه، إلا أنه لم ينجح في إنشاء مقر الاتحاد الأفريقي هناك.
وقال وسيط في الأزمة الليبية الراهنة، كان يعرفه جيدًا: "استمر بعض القادة الأفارقة في تلقي أمواله، لكن لم يعد أحد يأخذ من نصّب نفسه ملك ملوك أفريقيا على محمل الجد".
ورغم تلاشي هذا الحلم، عادت فكرة "الوحدة الأفريقية"، التي تُعرَّف بأنها روح الوحدة والتضامن بين القارة وشعوبها، عبر أشكال أخرى.
فسواءٌ أكان ذلك من خلال انتفاضة شعبية أوصلت مسؤولين إلى السلطة كما حدث في مالي (2021)، أو انقلاب عسكري كما حدث في بوركينا فاسو (2022)، أو ثورة بالقصر كما وقع في النيجر (2023)، أو انتخابات كما شهدته السنغال (2024)، فإن الوحدة الأفريقية تشهد رواجًا متجددًا.
ويدعو القادة الذين يمثلون هذه الموجة الجديدة إلى تعزيز السيادة الأفريقية، وتفضيل الوحدة في تجارتها مع العالم الخارجي، وضرورة تنويع الشركاء الاقتصاديين والسياسيين في أفريقيا.
ويرى الباحث السياسي في شؤون تاريخ "عموم أفريقيا"، صماكا لاروك بجامعة نيجيريا، أنه منذ اغتيال القذافي ووفاة الزعيم نيلسون مانديلا عام 2013، ظلّت الحركة الأفريقية تبحث عن قائدٍ يتولى زمام الأمور.
وفي السنوات الأخيرة، برز قادة أثاروا حماسًا كبيرًا لتولي قيادة الحركة الأفريقية الموحدة، من بينهم عثمان سونكو من السنغال، زعيم حزب الباسيف، الذي قاد نضالًا من أجل تحرير بلاده وأفريقيا اقتصاديًا وثقافيًا من الاستعمار، بينما كان في صفوف المعارضة.
وينفذ حزبه، بقيادة الرئيس باسيرو ديوماي فاي، الذي يتولى السلطة منذ عام 2024، برنامجًا تنمويًا قائمًا على الاكتفاء الذاتي.
وقال الباحث في تصريح لـ"إرم نيوز"، إن الضباط الثلاثة، عاصمي غويتا من مالي، وإبراهيم تراوري من بوركينا فاسو، وعبد الرحمان تياني من النيجر، أطلق عليهم أنصار الوحدة الأفريقية لقب ثوريي الوحدة في القارة.
ومنذ النصف الثاني من أبريل 2025، توجهت الأنظار إلى الكابتن إبراهيم تراوري، رئيس بوركينا فاسو، الذي اعتبر حامل لواء الحركة الأفريقية العالمية.
وجاءت موجة الدعم التي حظي بها ردًا على تصريحات مايكل لانغلي، القائد العام السابق للقيادة الأمريكية في أفريقيا، فقد اتهم الجنرال الأمريكي إبراهيم تراوري باستخدام احتياطيات الذهب في بلاده لحماية نفسه.
غير أن مراقبين يقللون من احتمالات نجاح المسعى الأفريقي الجديد في إحياء مشروع القذافي الذي حكم دولةً نفطية كبرى، حيث تمتلك أكبر الاحتياطيات وقد شكّل هذا مكسبًا هائلًا لزعيمها، الذي استخدمها لترسيخ سلطته بين الشعب، ولتمويل نفوذه خارج حدود ليبيا.