بعد سنوات من الظهور كقوة عسكرية صاعدة في أفريقيا، تواجه روسيا اليوم تحديات غير مسبوقة للحفاظ على وجودها في القارة.
وبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، فإن فشل "فيلق أفريقيا"، القوة العسكرية الرسمية الجديدة التابعة للكرملين، في استنساخ نجاحات مجموعة فاغنر الخاصة للمرتزقة، يظهر الحدود الواقعية لنفوذ موسكو، خاصة بعد مقتل مؤسس فاغنر، يفغيني بريغوزين، في انفجار طائرة عام 2023.
وصل ألف مرتزق من فاغنر إلى مالي في أواخر 2021 لدعم الحكومة في مواجهة المتمردين الإسلاميين، مقابل 10 ملايين دولار شهريًّا؛ لكن الغارات الوحشية وغير المنسقة على التجمعات المدنية أشاعت الفوضى، وخلقت بيئة خصبة لتجنيد الجهاديين، وفقًا لتقرير منظمة سينتري.
كما لم يتمكن المرتزقة حتى من الوصول إلى مناجم الذهب المستهدفة، وفشلوا في الحصول على رواتبهم لفترات طويلة؛ ما جعل وجودهم الاستثماري غير مجدٍ.
مع وصول فيلق أفريقيا، المتصل مباشرة بوزارة الدفاع الروسية، لم تتحسن الصورة؛ حيث أسفر كمين شمال الصحراء الكبرى عن تدمير نصف المركبات المدرعة الأربعين وقتل عشرات المقاتلين، في مؤشرات واضحة على ضعف الإستراتيجية الروسية على الأرض.
وفي جمهورية أفريقيا الوسطى والسودان، واجهت موسكو تحديات مماثلة، حيث فشلت محاولات تأمين الألغام وتعزيز السيطرة العسكرية، وتم انسحاب الحراس الروس في مايو 2025 بعد فشل الجهود وتأمين المنطقة.
كانت منطقة الساحل، الممتدة عبر مالي وبوركينا فاسو والنيجر، ساحة رئيسية لتوسع روسيا العسكري؛ لكن الانقلابات العسكرية وطرد القوات الغربية أظهرت "ندم المشتري" بين الحكومات المحلية، حيث بدأت مالي والنيجر وبوركينا فاسو تطلب مساعدات تدريبية بدلًا من الاعتماد على المرتزقة الروس.
أودت الهجمات المتصاعدة للمتشددين الإسلاميين بحياة نحو 11 ألف شخص خلال العام الماضي، نصفهم في قتال مباشر؛ ما يعكس أن التدخل الروسي لم يحقق الاستقرار.
ووفقًا لمسؤولين أمريكيين وأوروبيين، فإن موسكو لم تعد شريكًا موثوقًا به في مواجهة الإرهاب، حيث أثبتت إخفاقات فيلق أفريقيا أن التدخل العسكري الروسي قد يزيد تعقيد الصراعات بدلًا من حلها.
تتيح الإخفاقات الروسية فرصة للقوى الغربية لاستعادة نفوذها في منطقة الساحل. تخطط الولايات المتحدة لتدريب جيوش محلية من دول ثالثة، لمحاربة المتطرفين، بينما تسعى فرنسا لاستئناف برامج التدريب العسكري في جمهورية أفريقيا الوسطى.
كما تجري شركة المقاولات الدفاعية الأمريكية بقيادة إريك برينس محادثات لتقديم خدمات أمنية للحكومات الأفريقية، مستغلة الفراغ الذي خلفه فشل الروس.
وفي النيجر، قدم مستشار مكافحة الإرهاب الأمريكي عروضًا لدعم الأمن بعد الانقلاب الذي أطاح بالرئيس الموالي للغرب، بينما أرسلت فرنسا مدربين لإعادة بناء قدرات الجيش المحلي.
كل هذه التحركات تشير إلى أن النفوذ الغربي قد يتعزز بسرعة، مقابل تراجع القدرة الروسية على فرض السيطرة العسكرية والسياسية في القارة.
ويبرز الوضع الحالي الحدود الحقيقية للنفوذ الروسي في أفريقيا. بعد سنوات من الظهور القوي، يواجه الكرملين قيودًا على الأرض، خاصة مع انشغال قواته الأفضل في الحرب الأوكرانية.
كما أثبت الاعتماد على المرتزقة لتحقيق أهداف سياسية وتجارية أنه غير مستدام، كما أن فقدان السيطرة على مناجم الذهب وفشل فيلق أفريقيا في تحقيق أهدافه العسكرية يؤكدان أن روسيا ليست شريكًا يُعتمد عليه.
يعكس هذا الواقع أيضًا غياب رؤية شاملة لِما بعد أي تدخل عسكري، فالفراغ السياسي والأمني في الدول المستهدفة سيخلق صراعات على الموارد والسلطة بين الحكومات المحلية والفصائل المسلحة؛ ما يزيد هشاشة الاستقرار ويحد من قدرة موسكو على الاستفادة من وجودها العسكري.
ويمثل هذا التحول بالنسبة للقوى الغربية، فرصة لتقديم نموذج بديل أكثر استقرارًا وفاعلية، قائم على التدريب والدعم المؤسسي وليس على الاعتماد على المرتزقة.