مع تزايد الحديث عن مبادرات سلام متكررة، وسط استمرار القتال وتباين مواقف الأطراف المعنية، يبرز طرح روسي يقوم على الاكتفاء بقمة نهائية لتوقيع اتفاق، دون الانخراط في مسار تفاوضي تقليدي متعدد المراحل.
وقبل أيام ، كشف سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي عن هذه المفارقة، بتصريحه بأن "قضية استئناف المفاوضات ليست أولويتنا في الوقت الراهن، ولم نُكره أحدًا على التفاوض، ونتعامل دائمًا على أساس أن الشريك إذا كان مستعدًا فنحن مستعدون".
فمنذ استئناف الاتصالات في 2025، أكد دميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين، أن روسيا لا تدعم وقف إطلاق نار مؤقت، بل تدعو إلى سلام دائم، وعلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اتخاذ القرار المناسب للوصول إلى هذا السلام، وليس الاكتفاء بهدنة.
وتشمل الشروط الروسية المعلنة اعتراف أوكرانيا بالوضع الإقليمي القائم، بما في ذلك: القرم، ومناطق دونيتسك، ولوغانسك، وخيرسون، وزابوروجيا، إلى جانب رفض انضمام كييف إلى حلف شمال الأطلسي.
وقال بيسكوف إن لقاء بوتين مع زيلينسكي ممكن فقط لإنهاء الاتفاقات، موضحًا أن القمة لا تُعقد للتفاوض بل لتوقيع ما تم التوصل إليه مسبقًا، مع تأكيد عدم وجود مشاورات جارية بالمعنى الكامل.
في المقابل، صرح ميخايلو بودولياك، المستشار الرئاسي الأوكراني بأن روسيا لا تقدم تسوية دبلوماسية بل تعرض استسلامًا غير مشروط.
واعتبرت النائبة الأوكرانية إيرينا غيراشينكو أن الطرح الروسي اختبار لمدى استعداد أوكرانيا للرضوخ.
وتشير بيانات المفاوضات التي جرت في فلوريدا وباريس إلى أن مسودة الاتفاق تضم نحو 20 نقطة، تشمل قضايا تتعلق بالترتيبات الأمنية وحجم القوات المسلحة الأوكرانية، وتبقى مسألة الأراضي نقطة الخلاف الأساسية.
وفي ذات السياق، قال بوريس بيستوريوس، وزير الدفاع الألماني إن بوتين يكسب الوقت بوضوح، في وقت شهدت جولات التفاوض تأجيلات متكررة منذ فبراير 2026.
وأظهر استطلاع لمركز ليفادا أن 66% من الروس يؤيدون بدء مفاوضات سلام، مقابل 25% يفضلون استمرار الحرب، هو ما يعكس اتجاهات داخلية متباينة بالتوازي مع المواقف الرسمية.
وأكد فولوديمير شوماكوف، الدبلوماسي الأوكراني السابق، أن طرح موسكو لفكرة عقد قمة تقتصر على توقيع اتفاق نهائي فقط يعكس في جوهره محاولة لتجاوز التعقيدات الميدانية والسياسية التي لم تُحسم بعد.
وقال لـ"إرم نيوز" إن روسيا لا تزال تواجه تحديات اقتصادية وعسكرية واضحة، في ظل عجزها عن تحقيق أهدافها المعلنة حتى في حدها الأدنى، نتيجة الخسائر البشرية الكبيرة التي أثرت على قدرتها القتالية.
وأضاف شوماكوف أن حالة من الجمود النسبي تسيطر على بعض الجبهات، بالتزامن مع تعثر الهجمات الروسية، وهو ما يُظهر صعوبة تحقيق تقدم حاسم.
وأشار إلى أن الحرب تحولت بدرجة كبيرة إلى مواجهة تعتمد على الطائرات المسيرة حيث طورت أوكرانيا قدراتها الدفاعية والهجومية في هذا المجال، ما مكّنها من تنفيذ ضربات مؤثرة ضد البنية التحتية الروسية، خاصة المرتبطة بصادرات النفط.
وأكد الدبلوماسي الأوكراني السابق، أن هذه التطورات تُلقي بظلالها على الاقتصاد الروسي في ظل استهداف منشآت حيوية، موضحًا أن كييف لا تزال قادرة على التأثير في مسار الحرب.
وبين أن الحديث الروسي عن السلام قد يندرج ضمن إطار مناورات سياسية، خاصة مع تداول أنباء عن توجه نحو تجنيد واسع النطاق، وهو ما قد يفتح الباب أمام تحديات داخلية متزايدة.
من جانبه، قال د. نبيل رشوان، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، إن إصرار موسكو على قمة توقيع فقط لا يعني أن الحرب قد حُسمت لصالحها بل يعكس تعقيد المشهد وصعوبة الوصول إلى تسوية متوازنة.
وأضاف رشوان لـ"إرم نيوز"، أن الشروط التي تطرحها روسيا لوقف القتال تُعد قاسية، وتشمل تقليص الجيش الأوكراني، ومنع انضمام كييف لأي تحالفات عسكرية، إلى جانب الاحتفاظ بالأراضي التي تسيطر عليها، وهو ما يجعل فرص الاتفاق محدودة في ظل رفض أوكراني وغربي.
وأشار إلى أن مسألة الضمانات الأمنية تمثل نقطة خلاف أساسية، خاصة في ضوء تجارب سابقة لم تمنع اندلاع النزاع.
ولفت إلى أن السيطرة على نحو 20% من الأراضي الأوكرانية تطرح تساؤلات حول حدود الطموح الروسي، في وقت يرفض فيه جزء كبير من الرأي العام الأوكراني أي تنازل.
وبين أن العقوبات الغربية بدأت تضغط على الاقتصاد الروسي، ما قد يدفع موسكو لمحاولة تسريع إنهاء الحرب أو تخفيف حدتها، بالتوازي مع تحركات لاستمالة الولايات المتحدة.
وشدّد على أن الحرب لا تزال مفتوحة على عدة سيناريوهات، وأن الحديث عن قمة توقيع فقط لا يعكس بالضرورة اقتراب نهاية الصراع.