فجّر زعيم حزب "الجمهوريين" ووزير الداخلية الفرنسي السابق، برونو ريتايو، مفاجأة سياسية بإعلان ترشحه رسميًّا لانتخابات الرئاسة 2027.
الخطوة لم تكتفِ بخلط أوراق اليمين التقليدي، بل استنفرت "التجمع الوطني" (اليمين المتطرف) الذي شن هجومًا عنيفًا ضد ريتايو، ما يؤشر إلى معركة كسر عظم مبكرة على زعامة التيار المحافظ في فرنسا.
جاء إعلان ريتايو البالغ من العمر 65 عاماً، بعد أشهر من التكهنات حول نواياه السياسية، حيث ظهر بخطاب محافظ متشدد وعد فيه بـ"قلب الطاولة" في السياسة الفرنسية.
قدّم ريتايو نفسه كمدافع عن العادات والحضارة الفرنسية، معلناً أن "الهجرة ليست فرصة" ووعد بتنظيم استفتاء شعبي لـ"تقليص الهجرة بشكل جذري". كما تعهد بفرض "سلطة الجمهورية في كل مكان" والدفاع عن "النظام والعدالة"، منتقداً ما أسماه "انحرافات دولة القانون التي انقلبت ضد حق الفرنسيين في العيش بسلام وأمان".
في المجال الاقتصادي، وعد ريتايو بإعطاء "الأولوية لفرنسا الشرفاء بدلاً من الاتكالية"، مقدماً نفسه كـ"حامي فرنسا العمال وليس فرنسا المنتفعين". كما تعهد بـ"إعادة الدولة إلى مكانها الصحيح" من خلال إلغاء حوالي 250 ألف وظيفة في القطاع العام.
لم يمهل التجمع الوطني بقيادة مارين لوبان ريتايو طويلاً، حيث شن ناطقوه هجوماً ضارياً عليه. وصف سيباستيان تشينو، نائب رئيس الحزب، ريتايو بأنه "مرشح ماكروني آخر" يتمتع بـ"مصداقية صفر"، مشيراً إلى "نتائجه المخيبة" خلال فترة توليه وزارة الداخلية، واصفاً إياها بـ"لقب وطلاء ظاهري وميدالية من شوكولاتة".
أما جان-فيليب تانغي، الذراع الأيمن للوبان في الجمعية الوطنية، فأكد أن "الأفعال خانت الأقوال الجميلة"، مذكّراً بـ"الرقم القياسي في دخول المهاجرين" المسجل العام الماضي. واتهم ريتايو بمجرد "نسخ" مقترحات مارين لوبان دون تقديم أي جديد.
من جانبه، انتقد النائب لوران جاكوبيلي، التحالفات السابقة للمرشح، قائلاً: "لقد جلس مع وزراء اشتراكيين" و"اختار الانضمام إلى اليسار مع ماكرون"، معتبراً أن ريتايو "اختار التحالفات الخاطئة" ويحمل "حصيلة مروعة".
رداً على هجمات التجمع الوطني، استبعد ريتايو أي إمكانية للتحالف مع حزب مارين لوبان، واصفاً الأخيرة بـ"الاشتراكية" على خلفية عدم تصويت نواب التجمع لصالح 15 ساعة عمل أسبوعية لمستفيدي إعانات الضمان الاجتماعي. وقال: "عندما تكون لدينا مشاريع مختلفة، لا يمكننا مزج الماء بالزيت بهذه السهولة".
لكن التحدي الأكبر لريتايو قد يأتي من داخل معسكره السياسي. فهناك عدة شخصيات من حزب الجمهوريين تطمح لخوض السباق الرئاسي، منهم ميشيل بارنييه رئيس الوزراء السابق، وزافييه بيرتران رئيس منطقة أوت-دو-فرانس، ولوران ووكيز رئيس الكتلة النيابية اليمينية، وداڤيد ليسنارد عمدة كان.
دعا ليسنارد فور إعلان ترشح ريتايو إلى "تنظيم انتخابات تمهيدية مفتوحة كبرى بشكل سريع"، مؤكداً أن "الترشيحات لانتخابات الرئاسة تتكاثر" وأنه "من الضروري" حسم الأمر.
كما يدعو ووكيز إلى انتخابات تمهيدية واسعة تمتد من جيرالد دارمانان (وزير العدل الحالي) إلى سارة كنافو (نائبة أوروبية من حزب "الاستعادة " اليميني المتطرف).
لكن يواجه برنامج ريتايو الطموح عقبات قانونية ودستورية كبيرة. فوعده بتنظيم استفتاء على الهجرة يتطلب تعديل الدستور الفرنسي، حيث لا تسمح المادة 11 من الدستور حالياً بإجراء استفتاء حول قضايا الهجرة أو الجنسية أو العدالة الجنائية.
وفقاً لخبراء القانون الدستوري، سيحتاج ريتايو إلى المرور عبر المادة 89 التي تتطلب موافقة مجلسي البرلمان بنفس الصيغة، ثم إجراء استفتاء أو الحصول على ثلاثة أخماس الأصوات في الكونغرس (الجمعية الوطنية + مجلس الشيوخ). وقد فشل ريتايو بالفعل في العام 2023 في تمرير مقترح قانون دستوري مماثل عندما كان يفتقر إلى الأغلبية والدعم من حلفائه الوسطيين.
أما فكرة إعطاء الأولوية للقانون الوطني على المعايير الدولية، فتتعارض مع المادة 55 من الدستور التي تمنح المعاهدات الدولية "سلطة أعلى" من القوانين، والمادة 88-1 التي تؤكد أولوية قانون الاتحاد الأوروبي.
وحذر الخبراء من أن تنفيذ هذا الاقتراح قد يضع فرنسا في موقف معقد للغاية مع شركائها الأوروبيين وقد يثير تساؤلات حول خروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي.
أثار توقيت إعلان ريتايو تساؤلات، حيث جاء قبل شهر واحد فقط من الانتخابات البلدية. واعتبر تانغي من التجمع الوطني هذا التوقيت "غريباً جداً"، مشيراً إلى أن ريتايو "يجب أن يخاف من النتائج" لأنه "لو كان متأكداً من انتصارات كبرى، لكان انتظر".
يظل ريتايو متفائلاً رغم التحديات، معلناً أمام أنصاره: "سيكون هناك الكثير من العقبات، لكننا سنحمل مشروعاً يتوافق تماماً مع ما يريده البلد".
لكن استطلاعات الرأي تشير إلى أنه يحصل حالياً على 8-10% فقط من الأصوات المتوقعة في الجولة الأولى، مما يضعه في المرتبة الخامسة.
مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في أبريل/ نيسان 2027، يبدو أن معركة اليمين الفرنسي قد بدأت للتو، وسط تساؤلات حول قدرة ريتايو على توحيد المعسكر المحافظ وتحويل وعوده الطموحة إلى واقع سياسي.