سلطت صحيفة "نيويورك تايمز" الضوء على التناقض بين الرواية التي يسوقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول "النصر المؤزر" في إيران، وبين الحقائق الجيوسياسية المعقدة التي تفرض نفسها على أرض الواقع في ربيع 2026.
ويحاول ترامب تصوير صراعه العسكري مع طهران كملف "حسم وأنجز" بنجاح منقطع النظير، بيد أن إصراره على فرض رؤيته الخاصة يصطدم اليوم بأزمة عنيدة ترفض الانصياع لمنطقه، أو القبول بتعريفاته لنتائج الحرب الدائرة.
وصف ترامب النظام الإيراني الجديد بـ"العقلاني تماما" خلال مقابلة مع "فوكس بيزنس" بُثت الأربعاء. وجاءت هذه التصريحات في سياق محاولاته المستمرة لترويج فكرة "تغيير النظام" كإنجاز تاريخي، متجاهلا التحذيرات من تعاظم نفوذ الحرس الثوري.
وعلى نقيض ادعاءات البيت الأبيض، يرى محللون أن الحرب عززت السطوة الداخلية للجناح المتشدد؛ فقد أحكم الحرس الثوري قبضته على مفاصل الدولة، بينما ظل المرشد الجديد مجتبى خامنئي بعيدا عن الأنظار منذ توليه السلطة خلفا لوالده.
وبناء على ذلك، يرى بهنام بن طالبلو، الخبير في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، خطأ فادحا في توصيف المشهد كتحسن؛ فالتغيير لم يتجاوز الوجوه القيادية، بينما تظل الأيديولوجيا والهياكل العسكرية والسياسية المتصلبة هي المحرك الفعلي للنظام.
وعلاوة على ذلك، لا تزال الملاحة في مضيق هرمز تعاني اضطرابات شديدة تمنع عودة التجارة لطبيعتها. فالحكومة الإيرانية، رغم الضربات، لم تظهر أي ليونة تجاه مطالب ترامب الصارمة المتعلقة ببرنامجها النووي أو نفوذها الإقليمي.
ومن ناحية أخرى، يصر ترامب على أن النصر الأمريكي بات حقيقة لا تقبل الجدل؛ فقد زعم في تصريحاته الأخيرة تدمير القوات البحرية والجوية الإيرانية بالكامل، ملوحا بقدرة واشنطن على إنهاء وجود النظام إذا استمر طموحه النووي.
بالمقابل، تؤكد الوقائع أن 40 يوما من القصف المكثف لم تكسر شوكة المتشددين في طهران، بل على العكس، يبدو أن النظام استمد قوة إضافية من قدرته على تهديد الاقتصاد العالمي ورفع أسعار الوقود لمستويات قياسية.
ونتيجة لذلك، يجد الرئيس الأمريكي نفسه اليوم في مواجهة معضلة كبرى تتعلق بفقدان أوراق الضغط؛ فرغم اعتماده الطويل على أسلوب التهديد، تبدو الأدوات التقليدية عاجزة عن إخضاع نظام يمتلك قدرة عالية على المناورة والتكيف.
كما تشير الخبيرة منى يعقوبيان إلى فشل نهج "الكاريزما الشخصية" أمام التعقيد الإيراني؛ فإيران ليست حليفا أوروبيا يمكن إخضاعه بالتعريفات الجمركية، بل هي ملف شائك يتجاوز قدرة ترامب على الحسم بجرة قلم.
فيما يسعى نائب الرئيس جي دي فانس لتسويق فكرة "الصفقة الكبرى"، حيث تأمل الإدارة الأمريكية في إقناع طهران بالتصرف كـ"دولة طبيعية" مقابل دمجها اقتصاديا، وهو طموح يبدو بعيد المنال حاليا.
ولكن، انتهت جولة المحادثات الأخيرة في باكستان دون التوصل إلى نتائج ملموسة أو اتفاق نهائي. ورغم تفاؤل فانس برغبة الطرف الآخر في التفاوض، إلا أن الشروط الإيرانية لا تزال تمثل عقبة كؤودا أمام أي تقدم حقيقي.
ومن الملاحظ أن طهران تدرك تماما نقاط ضعف ترامب، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي؛ فهي تراهن على قلق الجمهوريين من تداعيات الحرب غير الشعبية وارتفاع أسعار الطاقة، مما يمنح المفاوض الإيراني جرأة إضافية.
إضافة إلى ذلك، يرى نيت سوانسون، المسؤول السابق في فريق التفاوض، أن طهران لن تستسلم للمطالب الأمريكية؛ فالنظام الذي يعتقد أنه صمد في "حرب وجودية" لن يقدم تنازلات جوهرية تمس بقاءه أو سيادته الوطنية.
ويرجح المراقبون أن أي اتفاق مستقبلي سيكون "محدودا وإجرائيا" لا أكثر؛ فإيران لن توقع على وثيقة لا تخدم مصالحها المباشرة، ولن تقبل بفرض تغييرات جذرية على بنيتها السياسية أو العسكرية.
وفي النهاية، يحذر الخبراء من الانخداع بـ"براغماتية" بعض الوجوه الإيرانية مثل محمد باقر قاليباف؛ ففي ظل الصراع الحالي، لا يملك أي مسؤول إيراني القدرة أو الرغبة في التغريد خارج سرب الخط المتشدد للنظام.