صدم دونالد ترامب الحالمين بالعيش في "أرض الأحلام الأمريكية"، بعد أن نذر عامه الأول من ولايته الثانية لخوض معارك فاصلة ضد المهاجرين في مسعاه لتحقيق وعد انتخابي بتنفيذ أكبر خطة لـ"الترحيل الجماعي" للمهاجرين من الولايات المتحدة.
ومنذ تسلم منصبه في يناير 2025 وضع ترامب ملف الهجرة في أعلى سلم أولوياته، كما سرعت إدارته الإجراءات ووسعت نطاق استهداف المهاجرين وجندت وكالات لم تكن معنية بالملف، وأظهرت حزما غير مسبوق في سباق ضد الزمن لإحراز أفضل النتائج في ملف ظل قضية مستعصية على إدارات سابقة، سعت كل واحدة منها لغرس مخالبها في جسم الهجرة نحو بلد شكلت مرونة قوانين الولايات فيه ثغرة من خلالها عبر الآلاف نحو "الفردوس الأمريكي"، الذي تحول في عام من حكم ترامب إلى "جحيم" نادرا ما يفلت من شراكه المهاجرون.
الرئيس الجمهوري الذي يكاد لا يقر بحسنة لمئات الآلاف من المهاجرين، لم يضع وقتا في ترتيب أولويات بلاده في التعامل مع طوفان المهاجرين، حيث وقع نحو 220 أمرا تنفيذيا متعلقا بالهجرة، متجاوزا عدد أوامر ولايته الأولى، كما نجحت إدارته في تنفيذ 175 إجراء منها خلال أول 100 يوم له في السلطة.
ورغم المعارك القضائية والاعتراضات القانونية أمام المحاكم، لم تظهر إدارة ترامب أية مرونة في التراجع عن خطط الترحيل، بل "جيشت" وكالات حكومية بعضها معني بالأمر، وبعضها عُدلت القوانين ليضطلع بدور في موجة "حنق ترامب على المهاجرين".
ويكشف تقرير نشره مؤخرا "معهد سياسات الهجرة"، أنه بعد بدء ترامب ولايته الثانية، نفذت إدارته "سلسلة من القرارات التنفيذية والإجراءات الأمنية التي غيّرت جذريا طريقة تعامل الولايات المتحدة مع المهاجرين، سواء كانوا غير نظاميين أو حتى مقيمين بشكل قانوني".
وفق المعهد، نجحت الإدارة الجمهورية الحالية في "تنفيذ أكثر من 500 إجراء في ملف الهجرة وحده، متجاوزة كل ما تم في ولاية ترامب الأولى".
وعند تتبع الخطوات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية، لا تخطئ عين المراقب، أن الملامح البارزة للتعاطي مع ملف المهاجرين، بدا أكثر صرامة في عهدة ترامب الثانية، حيث تم إلغاء سياسات الهجرة التي كانت سارية وانتهجتها سابقا إدارات جمهورية وديمقراطية، كما تم تشديد الخطاب ضد "الترحيب" بالمهاجرين غير النظاميين، فضلا عن تقييد اللجوء مع تضييق مسارات الدخول القانوني إلى الولايات المتحدة.
وبحسب بيانات معهد سياسات الهجرة، فقد "شددت إدارة ترامب الخناق على الهجرة القانونية، عبر فرض رسوم ضخمة على تأشيرات العمال المهرة، وتشديد فحص الطلاب الأجانب ومتابعة نشاطهم السياسي، وتعليق شبه كامل لبرامج استقبال اللاجئين، التي تراجعت من أكثر من 100 ألف سنويا إلى بضع مئات فقط".
وفي هذا السياق، فقد أوقف ترامب أو طلب مراجعة تأشيرات رعايا 75 دولة، فضلا عن تعليق إدارته بشكل مؤقت برنامج قرعة "الغرين كارد"، الذي كان يتيح الدخول سنويا للآلاف بطرق شرعية.
ويرى مراقبون، أن النجاحات التي حققها ترامب في ملف الهجرة خلال عام واحد، جاءت نتيجة تخطيط جيد، فضلا عن تضييق غير مسبوق، بدأها بإجراء تغييرات إدارية فضلا عن إلغاء برامج مرنة كانت تخدم المهاجرين.
وبحسب معهد دراسات الهجرة، فقد نجحت إدارة ترامب ضمن مساعيها لتحقيق خطة "الترحيل الجماعي"، التي وعد بها الرئيس، في "خلق دور أكبر للدولة في هذه القضية، فتم إشراك وكالات، لم تكن سابقا معنية بالهجرة بهدف ملاحقة المهاجرين. كما انتشرت القوات الفدرالية في مدن كبرى، ونُفذت عمليات اعتقال في الأحياء السكنية والمحاكم وحتى قرب المدارس والمستشفيات، في مشهد غير مسبوق في التاريخ الأمريكي الحديث".
ويرى المعهد أن خطة ترامب حظيت بدعم من الكونغرس الجمهوري، حيث خُصصت ميزانية قياسية بلغت 170 مليار دولار لأجهزة الهجرة والحدود، ما مكّن الإدارة من توسيع مراكز الاحتجاز، وبناء حواجز جديدة، وتوظيف آلاف العناصر في عمليات الترحيل.
ورغم أن إدارة ترامب تعهدت سابقا بترحيل مليون مهاجر سنويا، فإن معهد سياسات الهجرة، يرى أنها "فشلت رغم التصعيد والتضييق في تحقيق هدفها المعلن، مستندا إلى إعلان وزارة الأمن الداخلي ترحيل 622 ألف مهاجر خلال عام"، مؤكدا أن "هذا الرقم يقل عن 778 ألف عملية ترحيل التي نُفذت خلال السنة الأخيرة لإدارة الرئيس الديمقراطي جو بايدن".
وترى وسائل إعلام أمريكية، أن إدارة ترامب، التي خططت لمغادرة نحو مليون شخص خلال العام الأول من ولايته الثانية، لم توفق في تحقيق الرقم، بسبب بعض التحديات القانونية، وكثرة الطعون القضائية التي حدت من بعض الإجراءات ووضحت صلاحيات الرئاسة، مشيرة إلى أن إدارة ملف الهجرة خلال عام من حكم ترامب كانت صارمة وصادمة.
ورغم هذه السياسة المتشددة، التي تباهى ترامب كثيرا بنجاعتها، لكن إدارته لم تغلق الباب أمام استقطاب المهاجرين، حيث أطلقت ما سُمّي بـ"بطاقة ترامب الذهبية"، التي تمنح الإقامة لمن يدفع مليون دولار، في إشارة إلى أن الهجرة في عهد ترامب لم تُلغَ، بل أُعيد تعريفها.