لطالما كان المحيط المتجمد الشمالي منطقة هامشية على الصعيد الاقتصادي والتجاري، نظرًا لبعده وجليده وعدم قابليته للتنبؤ؛ لكن التحولات المناخية وتزايد التوترات الجيوسياسية العالمية جعلت من ممر بحر الشمال على الساحل الروسي المتجمد أداة إستراتيجية للدول المستعدة لتحمل المخاطر مقابل تعزيز نفوذها.
قادت الصين هذا التوجه بجدية واضحة، حيث أظهرت بيانات عام 2025 ارتفاعًا قياسيًّا في عدد رحلات الحاويات عبر الممر القطبي، محوّلةً التجربة الرمزية أو الموسمية السابقة إلى جزء عملي من إستراتيجيتها اللوجستية العالمية، وفق صحيفة "أوراسيا ريفيو".
والهدف يتجاوز توفير أيام في الرحلات البحرية؛ فهو جزء من مسعى أوسع لتنويع المسارات التجارية وتقليل الاعتماد على المضايق والممرات البحرية التقليدية التي تهيمن عليها القوى الغربية أو التي قد تتعرض للاضطرابات السياسية والعسكرية.
يُقدّم ممر بحر الشمال مزايا اقتصادية واضحة، إذ يقلل المسافة بين موانئ شمال الصين وشمال أوروبا ويخفض مدة الإبحار بما يصل إلى أسبوعين.
هذا الاختصار يتيح خفض تكاليف الوقود، وتسريع دورة الأصول، وتقليل الانبعاثات لكل حاوية، وهو أمر بالغ الأهمية لشركات الشحن التي تعمل بهوامش ربح ضيقة.
لكن الجاذبية الاقتصادية وحدها لا تفسر اهتمام بكين المتزايد؛ فالممر يمثل أداة إستراتيجية للتنويع. ففي ظل الاعتماد الكبير على الممرات البحرية الحيوية في مضيق ملقا، وقناة السويس، والبحر الأحمر، يسعى القادة الصينيون إلى تقليل نقاط الضعف المحتملة للتجارة العالمية، وتوفير بدائل بعيدة عن مناطق التوتر.
وأطلق المسؤولون الصينيون على هذا الطريق اسم "الممر المائي الذهبي"، ويُقدّر أن استخدامه قد يوفر ما يصل إلى 120 مليار دولار سنويًّا، رغم كونه موسميًّا جزئيًّا.
اتخذت الصين خطوات مدروسة لاكتساب خبرة تشغيلية في القطب الشمالي، عبر رحلات متكررة للشحن في مياه جليدية، والتنسيق مع كاسحات الجليد الروسية، وفهم تأثير الطقس القاسي على الجداول الزمنية.
وفي الوقت الذي تراجعت شركات الشحن الغربية عن المشاركة بسبب المخاطر البيئية والعقوبات وعدم وضوح القوانين، بنت الصين ميزة تعليمية تدريجية، مكنتها من فرض نفوذ على الممارسات التشغيلية.
يُمارس النفوذ الصيني في الممر أيضًا من خلال الشراكة مع روسيا، التي تسيطر على الممر وتفرض نظامًا تنظيميًّا صارمًا يشمل التصاريح والرسوم ومرافقة السفن بكاسحات الجليد.
التعاون مع موسكو يتيح لبكين الوصول إلى طريق إستراتيجي، بينما يظل خاضعًا لتقلبات السياسة والاقتصاد الروسي.
وتعمل الاستثمارات الصينية في البنية التحتية المينائية والدعم التكنولوجي على تعزيز حضورها؛ ما يمنحها قدرة على صياغة مستقبل الممر التجاري دون المطالبة بأراضٍ في المنطقة.
رغم التقدم، يظل الممر محفوفًا بالمخاطر التشغيلية والبيئية. فالتقلبات المناخية، وانعدام البنية التحتية للبحث والإنقاذ، وارتفاع تكاليف التأمين، تجعل الاعتماد على الممر محدودًا وموسميًّا.
كما يثير ازدياد حركة السفن مخاطر بيئية تشمل انسكاب الوقود، وانبعاثات الكربون الأسود، واضطراب الحياة البحرية؛ ما يجعل الشركات الغربية مترددة في المشاركة.
يمثل طريق الحرير القطبي امتدادًا لمبادرة الحزام والطريق الصينية في منطقة القطب الشمالي، مع التركيز على الشحن، والوصول إلى الموارد، والتعاون العلمي، دون المطالبة بسيادة إقليمية.
لكل رحلة ناجحة، يعزز الممر الوجود الصيني العملياتي، ويترجم إلى نفوذ سياسي مستقبلي، في منطقة حيوية لكنها محفوفة بالتوترات الإستراتيجية، مع تأثير مباشر على الأمن البحري والطاقة والتجارة العالمية.
بالنسبة للصين، يشكل ممر بحر الشمال خيارًا إستراتيجيًّا للتنويع والتواجد في عالم منقسم، حيث تظل مسارات التجارة التقليدية معرضة للاضطراب؛ ما يجعل القطب الشمالي جزءًا لا يتجزأ من رؤية بكين الجيوستراتيجية المستقبلية.