دخلت العلاقات النووية بين الولايات المتحدة وروسيا مرحلة جديدة مع انتهاء معاهدة "نيوستارت" رسميًا قبل يومين، لتغلق آخر إطار قانوني ملزم كان ينظم حجم الترسانات النووية الاستراتيجية بين القوتين.
وأنهت الخطوة أكثر من نصف قرن من القيود الثنائية على الأسلحة النووية، بحسب ما أعلنته الجهات الرسمية في البلدين.
وجاء انتهاء المعاهدة بعد تمديدها لخمس سنوات إضافية في فبراير شباط 2021، حيث كانت تنص على سقوف محددة لعدد الرؤوس النووية الاستراتيجية ووسائل إيصالها، إضافة إلى آليات للتحقق وتبادل البيانات.
ومع حلول موعد الانتهاء، لم يتم التوصل إلى اتفاق قانوني بديل، ما فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الترتيبات غير الملزمة بين الطرفين.
وفي موسكو، عبّر الكرملين عن أسفه لانتهاء المعاهدة، حيث قال المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف، إن بلاده تنظر إلى انتهاء "نيوستارت" بشكل سلبي.
وأكد أن ما سيحدث لاحقًا يعتمد على تطور الأحداث، مع التزام موسكو بما وصفه بالنهج المسؤول تجاه الاستقرار الاستراتيجي النووي، واستعدادها للحوار في حال تلقي ردود بناءة.
وأعلنت وزارة الخارجية الروسية في بيان رسمي أن الولايات المتحدة لم ترد على مقترح روسي بالاستمرار في مراعاة الحدود الأساسية للمعاهدة لمدة 12 شهرًا إضافية بعد انتهائها.
واعتبرت أن الالتزامات السابقة لم تعد ملزمة في غياب رد رسمي، مع التأكيد على أن موسكو ستحدد خطواتها المقبلة وفق البيئة الاستراتيجية، مع بقائها منفتحة على المسار الدبلوماسي.
في المقابل، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إن بلاده لا تسعى إلى تمديد "نيوستارت" بصيغتها السابقة، داعيًا إلى العمل على معاهدة جديدة محسنة وحديثة تتناسب مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.
وأكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن أي اتفاق مستقبلي للحد من التسلح يجب أن يشمل الصين، معتبرًا أن تجاهلها لم يعد ممكنًا في ظل نمو ترسانتها النووية.
وبالتزامن مع انتهاء المعاهدة، أعلنت القيادة الأوروبية الأمريكية (في الجيش الأمريكي) عن التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وموسكو لإعادة إنشاء حوار عسكري رفيع المستوى بين الجيشين، للمرة الأولى منذ أكثر من 4 سنوات.
واعتبرت أن الحفاظ على قنوات الاتصال العسكرية عامل أساسي في الاستقرار والشفافية وتخفيف التصعيد.
وجاء الإعلان عقب لقاءات عُقدت في أبو ظبي بين مسؤولين عسكريين من الجانبين، على هامش محادثات أوسع تتعلق بالأزمة الأوكرانية، حيث أكدت القيادة الأوروبية الأمريكية أن القناة الجديدة ستوفر اتصالًا عسكريًا ثابتًا يهدف إلى منع سوء التقدير والاحتكاك غير المقصود.
وفي السياق ذاته، أفادت تقارير صحفية بأن الجانبين الأمريكي والروسي ناقشا الالتزام غير الرسمي بروح "نيوستارت" لفترة مؤقتة، في إطار تفاهم غير قانوني، ريثما تستمر المباحثات بشأن صيغة جديدة لتنظيم العلاقة النووية بين الطرفين، في ظل إدراك متبادل لمخاطر التصعيد في غياب الحوار.
ويرى خبراء أن انتهاء معاهدة "نيوستارت" فتح الباب أمام سيناريوهات متعددة تحكم مستقبل العلاقة العسكرية بين الولايات المتحدة وروسيا، في ظل غياب إطار ملزم يضبط سباق التسلح النووي بينهما.
ويقول الخبراء إن الإعلان عن استئناف الحوار العسكري يعكس محاولة مشتركة لاحتواء تداعيات هذا الفراغ الاستراتيجي ومنع التصعيد غير المحسوب، خاصة مع تعقّد المشهد الدولي وتعدد الأطراف النووية.
وفي تصريحات لـ"إرم نيوز"، أشار الخبراء إلى أن هذا الحوار وإن بدا حذرا ومحدودا فإنه يبدو خطوة باتجاه خفض التوتر وإعادة إدارة الصراع بدلًا من تركه مفتوحًا على احتمالات التصعيد، لا سيما في ظل إدراك متبادل لدى الطرفين بأن المواجهة المباشرة ستكون مكلفة وغير قابلة للسيطرة.
الدبلوماسي الأمريكي السابق، باتريك ثيروس، يرى أن سباق التسلح النووي لم يعد احتمالا نظريا بل أصبح واقعا قائما بالفعل، في ظل التحولات الجارية في بنية القوة العالمية.
وأشار في تصريح لـ"إرم نيوز" إلى أن الصين خلال السنوات القليلة الماضية، نفذت عملية تحديث واسعة لترسانتها النووية، سواء من حيث الكم أو من حيث التطور التقني والقدرات التدميرية، وهو ما يعكس تحولا استراتيجيا عميقا في ميزان القوى الدولية.
ويوضح ثيروس أن الفشل الأمريكي الروسي في إدماج الصين ضمن مسارات ضبط التسلح النووي بدأ يرتد على الطرفين، بعدما أدى هذا الإقصاء إلى تعقيد المشهد الأمني العالمي بدلًا من احتوائه.
وذكر أن تلميحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن احتمال عدم التزام واشنطن بتوفير مظلة الردع النووي لحماية الحلفاء الأوروبيين فتحت الباب أمام نقاشات غير مسبوقة داخل أوروبا حول مستقبل أمنها الاستراتيجي، بما في ذلك توسيع القدرات النووية الفرنسية والبريطانية لتشمل القارة بأكملها.
ويشير الدبلوماسي الأمريكي السابق إلى أن هذه النقاشات لم تظل حبيسة الأطر النظرية، إذ ظهرت في الآونة الأخيرة مبادرات سويدية تتحدث عن إنشاء ما بات يُعرف بـ"القنبلة الإسكندنافية"، في دلالة واضحة على تصاعد القلق الأوروبي من مستقبل الاعتماد على المظلة النووية الأمريكية.
ويؤكد ثيروس أن قادة الولايات المتحدة وروسيا باتوا أمام واقع جديد يتطلب قدرا عاليا من الحذر، مشددًا على أن سباق التسلح لم يعد ثنائيًا كما كان في السابق، بل أصبح متعدد الأطراف، ما يجعل إدارته وضبطه أكثر تعقيدا وخطورة.
ويصف السياسة الأمريكية الحالية بأنها تبدو متناقضة إلى حد كبير، إذ تدعو واشنطن من جهة إلى تحديث شامل لترسانتها النووية، بينما تروّج في الوقت ذاته لقدرتها على إنشاء ما تسميه "القبة الذهبية" القادرة على تحييد أي هجوم نووي محتمل، وهو خطاب من شأنه دفع روسيا والصين إلى مضاعفة استثماراتهما في تطوير ترساناتهما النووية.
ورغم ذلك، يلفت ثيروس إلى أن الرئيس ترامب يظهر في الوقت نفسه حرصًا على استمالة القيادتين الروسية والصينية، في محاولة واضحة لخفض منسوب التوترات الدولية.
من جانبه، يرى إبراهيم كابان، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية، أن المسار الروسي الأمريكي يبدو متجها نحو قدر من التهدئة، وهو مسار من شأنه أن ينعكس مباشرة على مجمل التطورات الجارية في أوروبا، وعلى رأسها الأزمة الأوكرانية.
ويقول في تصريحات لـ"إرم نيوز" إن إدارة الرئيس دونالد ترامب تسعى إلى استمالة روسيا ضمن مقاربة تهدف إلى منع تحولها إلى خصم استراتيجي كامل، مشيرًا إلى وجود تفاهمات غير معلنة بين واشنطن وموسكو حول عدد من القضايا المرتبطة بالأمن والأمن الاستراتيجي.
ويوضح الخبير في الشؤون الأوروبية أن الخطوات الأمريكية الأخيرة ترتبط بمحاولة ضبط التحركات الروسية ضمن حدود دنيا، لا سيما في ما يتعلق بإنتاج الأسلحة النووية وتطوير أنظمة التسليح الحديثة.
ويؤكد أن هذا النهج ليس جديدا بل اعتمدته إدارات أمريكية سابقة حتى خلال ذروة الحرب الباردة، حيث كان الهدف الدائم هو تجنب المواجهة المباشرة عبر الاتفاقيات والضوابط المنظمة للعلاقة بين الطرفين.
ويشير إلى أن هذا المسار يخدم بشكل مباشر الملف الأوكراني، موضحًا أن أي تهدئة أو تفاهم بين الولايات المتحدة وروسيا تنعكس إيجابًا على الوضع في أوكرانيا، وتدفع كييف إلى التفاعل مع أي تسويات محتملة تخرج عن إطار التصعيد العسكري.
ويضيف أن سلسلة التقاربات الأخيرة توحي بأن الأسلوب الأمريكي في عهد ترامب يتجه بوضوح نحو إدارة التوتر مع موسكو بدلًا من دفعه إلى مستويات أعلى.
ويؤكد المحلل السياسي أن المشهد السياسي العام يشير إلى أفق مفتوح أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق روسي أوكراني خلال الفترة المقبلة، في ظل هذه التفاهمات الدولية المتسارعة، التي يبدو أنها تسعى ولو مؤقتا إلى إعادة ضبط إيقاع الصراع ومنع انزلاقه إلى مواجهات أوسع.