تمثل الزيارة المرتقبة للرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ إلى الصين، بين 4 و7 يناير/كانون الثاني، محطة مفصلية في مسار العلاقات بين سيول وبكين، بعد سنوات من الفتور والتوتر.
فالزيارة، التي تتضمن قمة رسمية ومأدبة عشاء مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، تُعد أول زيارة دولة يقوم بها رئيس كوري جنوبي إلى الصين منذ ست سنوات، وتأتي بعد زيارة نادرة قام بها شي إلى كوريا الجنوبية في أكتوبر الماضي لحضور قمة أبيك، وفق مجلة " The Diplomat".
ويعكس هذا الحراك الدبلوماسي المتبادل رغبة الطرفين في إعادة ضبط العلاقات الثنائية التي تضررت بشدة منذ أزمة نشر منظومة الدفاع الصاروخي الأمريكية "ثاد" (THAAD) في كوريا الجنوبية عام 2017، والتي ردت عليها بكين حينها بإجراءات اقتصادية عقابية واسعة.
تسعى سيول، في عهد الرئيس لي، إلى ترميم العلاقات مع بكين انطلاقًا من إدراكها للدور المحوري الذي تلعبه الصين في التأثير على كوريا الشمالية، خصوصًا فيما يتعلق ببرنامجها النووي.
وتكتسب هذه الزيارة أهمية إضافية في ضوء مؤشرات حديثة على تغير الموقف الصيني، أبرزها حذف بكين أي إشارة صريحة إلى "نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية" في كتابها الأبيض الأخير حول عدم الانتشار النووي.
هذا التطور أثار قلقًا في كوريا الجنوبية، حيث فُسّر على أنه قبول ضمني من الصين بالوضع النووي القائم لكوريا الشمالية.
وتأتي القمة المرتقبة في وقت تسعى فيه سيول لمعرفة مدى استعداد بكين للعب دور أكثر فاعلية في دفع بيونغ يانغ نحو الحوار، سواء مع الجنوب أو ضمن إطار إقليمي أوسع.
في المقابل، تشير تقديرات دبلوماسية إلى أن الصين تميل إلى الحفاظ على الوضع الراهن في شبه الجزيرة الكورية، وتجنب أي تصعيد قد يؤدي إلى عدم استقرار على حدودها، وهو ما قد يحد من استعدادها للضغط الجدي على كوريا الشمالية.
رغم مؤشرات التقارب، تحيط بالقمة مخاطر جدية قد تعيد إشعال التوتر، أبرزها مشروع كوريا الجنوبية لبناء غواصات تعمل بالطاقة النووية بالتعاون مع الولايات المتحدة.
فبعد موافقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الخطة، أبدت بكين قلقًا واضحًا، معتبرة أن هذه الغواصات قد تشكل تهديدًا لمنظومة عدم الانتشار النووي، وتعيد إنتاج المخاوف الأمنية نفسها التي فجرتها أزمة "ثاد".
وتخشى سيول من أن تتحول هذه القضية إلى "نزاع ثاد ثانٍ"، خاصة في ظل الذاكرة السلبية للإجراءات الاقتصادية التي فرضتها الصين بعد نشر المنظومة الصاروخية، والتي كبّدت الاقتصاد الكوري الجنوبي خسائر قُدّرت بنحو 15.6 مليار دولار في عام واحد.
وتؤكد الحكومة الكورية الجنوبية أن الغواصات النووية المزمع تطويرها ذات طبيعة دفاعية بحتة، وتهدف إلى الرد على القدرات البحرية المتنامية لكوريا الشمالية. إلا أن بكين لا تزال تنظر إلى هذه الخطوة بعين الريبة، في سياق تنافسها الاستراتيجي المتصاعد مع واشنطن في شرق آسيا.
تأتي قمة بكين في لحظة إقليمية ودولية حساسة، تتقاطع فيها الحسابات الأمنية في شبه الجزيرة الكورية مع التنافس الصيني–الأمريكي.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى الرئيس لي باعتباره لاعبًا يسعى إلى تحقيق توازن دقيق: الضغط على الصين للاضطلاع بدور بنّاء في الملف الكوري الشمالي، دون دفع العلاقات الثنائية نحو مواجهة جديدة.
وتشير تجارب سابقة إلى أن فشل سيول في الحصول على دعم صيني ملموس غالبًا ما يدفعها إلى تعميق تحالفها العسكري مع الولايات المتحدة، وهو سيناريو تدرك بكين كلفته الجيوسياسية.
في المحصلة، تمثل قمة الصين وكوريا الجنوبية اختبارًا حقيقيًا لقدرة الطرفين على تجاوز إرث أزمة "ثاد"، وبناء آلية تفاهم تمنع تكرارها، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تعاون إقليمي لتجنب مزيد من التصعيد في شبه الجزيرة الكورية.