يُعد اغتيال علي لاريجاني، أمين سر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الضربة الأكثر إثارة للاضطرابات التي وجهتها إسرائيل للقيادة الإيرانية حتى الآن، بل إن تأثيرها يفوق مقتل المرشد الأعلى، علي خامنئي، في غارة خلال اليوم الأول من الحرب، بحسب تقرير لصحيفة "التلغراف" البريطانية.
وأعلنت إسرائيل، اليوم الثلاثاء، اغتيال لاريجاني الذي شوهد آخر مرة في مسيرة يوم القدس الجمعة الماضية، في حدث "مزلزل" على القيادة الإيرانية؛ إذ كان يوصف بأن "الرجل الذي يجعل النظام يعمل".
وترى "التلغراف" أنه إذا كان خامنئي يحمل السلطة الرسمية كرئيس للدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة والمرجع الديني، فإن لاريجاني كان الشخصية الفعلية التي تدير الآلة اليومية للنظام الإيراني منذ يونيو العام الماضي، عندما تلقى ضربات قاصمة في حرب الـ 12 يوماً.
وكانت الصحيفة البريطانية نقلت سابقاً عن مسؤول إيراني قوله إن لاريجاني "واحد من القلائل الذين يستطيعون مقابلة الزعيم، وكُلف بمهمة إنقاذ النظام"، مشيراً إلى أن هذا الدور لم يكن شكلياً، بل شمل إدارة تدفق المعلومات بين المؤسسات، وتنسيق القنوات الدبلوماسية، وقمع الصراعات الفصائلية الداخلية، وتنفيذ انتقال سلطة منظم لمنع تفكك النظام إلى مراكز قوة متنافسة.
صُمم النظام الإيراني على نحو معقّد من المؤسسات المتداخلة ذات المراكز المتنافسة عمداً، فالرئيس يدير الحكومة المدنية لكنه يخضع للمرشد، والحرس الثوري يسيطر على الاقتصاد والأجهزة الأمنية نظرياً تحت سلطة المرشد.
وفي حين أن هيئة الخبراء تختار المرشد لكن وجودها مرهون برغبته، ومجلس صيانة الدستور يدقق المرشحين حسب معايير يحددها.
ويتطلّب الهيكل شخصاً يفهم كل الأجزاء المتحركة ويجعلها تعمل معاً، وهذا بالضبط ما كان يقوم به لاريجاني، الذي يمتلك خبرة 30 عاماً، من وزير الثقافة، إلى رئيس الإذاعة الحكومية لعشر سنوات، ثم أمين سر المجلس الأعلى للأمن القومي، ورئيس البرلمان 12 عاماً، إلى مبعوث شخصي لخامنئي إلى الزعيم الروسي فلاديمير بوتين.
ووفق مسؤول إيراني في تصريحات الشهر الماضي، فإن لاريجاني "يدير كل شيء هنا رسمياً"، فقد كان يعرف أي رجال الدين في قُم يملكون نفوذاً حقيقياً، وكيف يبني علاقات مع المسؤولين الروس والصينيين والقوى الإقليمية، ويهيكل المفاوضات ليمنح المتشددين غطاءً لقبول التنازلات.
وتعتقد "التلغراف" أنه لا يمكن استبدال "كل هذه المعرفة المؤسسية بسرعة"، فعند مقتل قاسم سليماني عام 2020، استُبدل بإسماعيل قاآني، وعند قتل علماء نوويين، يُدرب علماء جدد، أما الدور غير الرسمي للاريجاني فلا توجد آلية لنقله.
ورغم وجود مرشد أعلى جديد هو مجتبى خامنئي الذي لم يظهر منذ أسابيع، فإن إيران تفتقر إلى الشخصية الوحيدة التي تحظى بثقة المتشددين والحكومات الأجنبية لصياغة الاتفاقيات. وهذا الاغتيال لا ينبئ بنهاية الحرب، لكنه يترك النظام من دون جهة قادرة على التفاوض بمصداقية مع الولايات المتحدة.
وتذهب الصحيفة البريطانية إلى أن الاغتيال قد يسر الإسرائيليين الراغبين في سقوط النظام الإيراني، لكن من يبحثون عن مخرج سريع من حرب تُفاقم أزمة الطاقة العالمية سيصابون بخيبة أمل، فإذا كان غياب خامنئي أضعف الرمزية، فإن مقتل لاريجاني يهدد تماسك النظام ككل، لأن معرفته العميقة "غير قابلة للنقل أو التعويض".