حذرت دوائر بحثية في تل أبيب من خطر، يشكل طبيعة الصراع غير المعلن بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى.
وتربط تحليلات معهد "ألما" البحثي بين الغارات الأمريكية التي استهدفت مؤخرًا سفنًا إيرانية قادمة من الصين، وجهود إعادة بناء ترسانة الصواريخ الباليستية في إيران.
وكشفت كوادر المعهد الإسرائيلي نواة الصراع الخفية، مشيرة إلى أجهزة "المزج الكوكبية"، ومدى دورها الرئيس في تسريع وتيرة إطلاق النيران الإيرانية على إسرائيل خلال مواجهة محتملة بين الجانبين.
واعتبرت قدرة تل أبيب وواشنطن على تحديد مواقع شحنات المعدات القادمة من الصين واعتراضها، سواء في البحر أو الموانئ أو حتى على الطرق البرية والمسارات الجوية، سيؤثر بشكل مباشر على وتيرة إعادة تسليح إيران، لا سيما أن أي شحنة تفلت من شبكة الاعتراض الأمريكية الإسرائيلية، قد تتحول بسرعة إلى مئات الصواريخ الإيرانية الإضافية.
وأشار تحليل أجراه المعهد الإسرائيلي إلى غارة أمريكية على سفينة شحن في المحيط الهندي الشهر الماضي، مؤكدًا أن الهدف كان في طريقه من الصين إلى إيران.
واعتبرت المعطيات أن هذه الواقعة وغيرها من وقائع مشابهة، تعد "حلقة وصل حاسمة" في الصراع الدائر حول قدرات طهران الصاروخية.
وأفادت التقارير بأن القوات الخاصة الأمريكية استولت على شحنة عسكرية كانت متجهة إلى الحرس الثوري، تضمنت مكونات أساسية لإنتاج الوقود الصلب، وتحديدًا "خلاطات الكواكب" الصناعية.
ويؤكد المعهد البحثي أن "الخلاطات الكوكبية"، هي بمثابة "القلب التكنولوجي" لإنتاج الوقود الصلب للصواريخ الباليستية المتقدمة.
وعلى عكس الصواريخ التي تعمل بالوقود السائل، والتي تتطلب عملية تزويد معقدة وطويلة بالوقود قبل الإطلاق، فإن الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب تسمح بإطلاق أسرع وتقلل من الفترة الزمنية التي يمكن خلالها إحباطها.
ولهذا السبب، تعتمد أنظمة الصواريخ الرئيسة في الترسانة الإيرانية، بما في ذلك النماذج التي يتراوح مداها بين 1500 و 2000 كيلومتر تقريبًا، على عملية الإنتاج هذه، مما يمنح الخلاطات الكوكبية أهمية استراتيجية من الدرجة الأولى.
وخلال حرب الـ12 يومًا الأخيرة، لاحظت الدوائر الأمنية في تل أبيب انخفاض معدل إطلاق الصواريخ الإيرانية.
وفي بداية المواجهات، استقبلت سماء إسرائيل وابلات كثيفة، تجاوزت الـ100 صاروخ، لكن سرعان ما انخفض العدد تدريجيًا إلى مستويات أقل بكثير.
ووفقًا لتحليلات إسرائيلية، يعود أحد أسباب هذا الانخفاض إلى محدودية قدرة الصواريخ التي تعمل بالوقود السائل، بالإضافة إلى تحسن قدرة سلاح الجو الإسرائيلي على اعتراض منصات الإطلاق المنتشرة في إيران.
وفي السياق، قدّرت إسرائيل أن إيران فقدت ما بين ثلث ونصف ترسانتها من الصواريخ الباليستية، ونحو ثلث قدراتها على الإطلاق.
ومن مخزون قُدّر بنحو 2500 صاروخ قبل الحرب، لم يتبق لدى طهران سوى ما بين 1500 و1700 صاروخ.
وقدر الجيش الإسرائيلي أن طموح إيران هو الوصول إلى ترسانة تضم نحو 8000 صاروخ باليستي، وهو هدف ينظر إليه على أنه تهديد وجودي لإسرائيل، لا سيما أن إيران تخوض حاليًا سباق تسلح متسارع لاستعادة هذا المخزون.
وفي وقت مبكر من أكتوبر/ تشرين الأول العام 2024، أفادت التقارير بأن غارة إسرائيلية دمرت ما لا يقل عن 12 خلاطًا كوكبيًا على الأراضي الإيرانية، وهي خطوة أدت إلى تأخير برنامج إنتاج الصواريخ.
وقبل ذلك، وفي إطار محاولة لتبسيط الإنتاج، وتقليص نطاقات النقل اللوجستي، نقلت إيران أجهزة خلط الصواريخ الكوكبية إلى منشآت في سوريا ولبنان.
وفي سبتمبر/ أيلول العام 2024، داهمت القوات الخاصة الإسرائيلية موقعًا لتطوير الأسلحة في منطقة مصياف بسوريا، ودمرت خلاطًا كوكبيًا ومكونات إنتاج أخرى.
وتعود تقارير إسرائيلية بأزمة تصنيع المكونات الصاروخية الإيرانية إلى العام 2019، مؤكدة أن الجيش الإسرائيلي دمر في هذا العام خلاط كوكبي في حيّ الهدى ببيروت، قبل دقائق من نقله إلى موقع تابع لـ"حزب الله" تحت الأرض.
وبعد عام، ووفقًا لتقارير لبنانية، هاجمت البحرية الإسرائيلية سفينة تحمل خلاطًا كوكبيًا في طريقها إلى لبنان.
وتُبرز هذه الأحداث استمرار الجهود المبذولة لإحباط صناعة الوقود الصلب التابعة للمحور الشيعي.
وأدى تضرر البنية التحتية للإنتاج المحلي إلى دفع إيران نحو تعميق اعتمادها على الصين، فبكين، التي تشتري نحو 90% من النفط الإيراني، لا تزود النظام في طهران بالوقود فحسب، بل تزوده أيضًا بمكونات تكنولوجية بالغة الأهمية.
ووفقًا للتقارير، تم رصد ما بين 10 إلى 12 شحنة بحرية قادمة من الصين إلى ميناء بندر عباس خلال الأشهر الأخيرة، تحمل نحو 2000 طن من بيركلورات الصوديوم، وهي مادة أساسية في إنتاج الوقود الصلب.
وبحسب تحليل الأقمار الصناعية التجارية، بدأت إيران إعادة بناء مواقع الإنتاج المتضررة في بارشين وخوجير وشاهرود، حيث تعمل مصانع الوقود الصلب.
ومع ذلك، يؤكد مسؤولون أمنيون أن ترميم المنشآت هو الجزء الأسهل نسبيًا، بينما يكمن التحدي الحقيقي في الحصول على الخلاطات الكوكبية نفسها.
وطالما لم تنجح إيران في تهريب أو إنتاج عدد كبير من هذه الخلاطات، تظل قدرتها الإنتاجية محدودة، خاصة فيما يتعلق بالصواريخ التي تسمح بالإطلاق السريع.
وعلى الصعيد السياسي، تواصل طهران رفض أي محاولة لإدراج برنامجها الصاروخي في المفاوضات، مدعية أنه نظام دفاعي بحت.
وترى إسرائيل في هذه التصريحات، إلى جانب تهديدات من كبار مسؤولي الحرس الثوري، أنها "محاولة للتغطية على ضعف مؤقت في منظومتها الهجومية".