قال خبراء ومحللون إن الخطاب الإيراني المتباين بين التهدئة والتصعيد يمثل إستراتيجية تقوم على "تقاسم الأدوار" بين واجهات سياسية تبدو أكثر اعتدالاً، ومراكز قرار عليا تتبنى خطابًا متشددًا، في محاولة لإدارة الحرب الحالية دون تقديم تنازلات جوهرية.
ويأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه الهجمات التي تطال دول الجوار وممرات الطاقة، بالتزامن مع رسائل إيرانية تتحدث عن عدم الرغبة في التصعيد، في حالة من الازدواجية التي تثير تساؤلات حول حقيقة الموقف الإيراني.
وفي أحدث مواقفه، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن بلاده "لا تريد نزاعًا مع دول الجوار"، مؤكدًا في تدوينة أن "الدول الإسلامية وجيراننا الأعزاء إخوتنا ولسنا بصدد أي نزاع معهم"، معتبرًا أن "المستفيد الوحيد من الخلافات هو إسرائيل"، وفق تعبيره.
غير أن هذا الخطاب يأتي في وقت تتعرض فيه منشآت حيوية ومرافق مدنية في دول خليجية لهجمات متكررة بطائرات مسيّرة وصواريخ؛ ما دفع مراقبين إلى التشكيك بجدية هذا الطرح، واعتباره جزءًا من خطاب سياسي يهدف إلى امتصاص الضغوط دون تغيير فعلي في السلوك الميداني.
وبحسب متابعين، فإن هذه الازدواجية لا تنفصل عن طبيعة النظام الإيراني الذي يعتمد على توزيع الأدوار بين مؤسسات متعددة، حيث يتولى الرئيس إدارة الخطاب الخارجي بلغة أقل حدة، بينما يحدد المرشد الأعلى الاتجاه العام عبر خطاب أكثر تشددًا، خصوصًا في ظل الحرب الحالية.
ويبرز هذا التباين بشكل أوضح مع صعود المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، الذي اتسمت تصريحاته بنبرة تصعيدية حادة، ركزت على التهديد والوعيد، مع تجاهل واضح لمخاوف الدول المتضررة من الهجمات.
وفي رسالة بمناسبة "النوروز"، اكتفى خامنئي بنفي مسؤولية بلاده عن بعض الهجمات، مع اتهام أطراف أخرى بالوقوف خلفها، دون الإشارة إلى الهجمات التي طالت دولًا خليجية والعراق؛ ما عزز الانطباع بوجود سياسة انتقائية في التعاطي مع الأزمة.
ويرى مراقبون أن هذا الخطاب المتشدد ينسجم مع إستراتيجية أوسع تقوم على تصعيد الضغط في ميادين متعددة، بما في ذلك استهداف الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، في محاولة لاستخدام الورقة الاقتصادية كأداة ضغط في مواجهة واشنطن وتل أبيب.
بدوره قال الباحث في الشؤون السياسية مجاشع التميمي إن "فكرة توزيع الأدوار داخل النظام الإيراني بين معتدل ومتشدد ليست ارتجالية، بل جزء من بنية صُممت منذ الثورة عام 1979".
وأضاف التميمي لـ"إرم نيوز" أن "النظام الإيراني هو عمليًّا نظام أزمات، يعتمد على تعدد مراكز القرار وتوزيع الصلاحيات؛ ما يمنحه مرونة في مواجهة الضغوط، ويتيح استخدام الاعتدال لفتح قنوات سياسية، مقابل توظيف التشدد لرفع كلفة المواجهة".
وأوضح أن "إيران تعتمد مبدأ (الدفاع الفسيفسائي)، أي تفكيك القوة إلى وحدات وشبكات متعددة قادرة على القتال حتى مع فقدان القيادة المركزية، لذلك، ما يبدو ازدواجية في الخطاب هو في الواقع تكتيك محسوب يعزز الصمود، وليس ارتباكًا، خاصة في بيئة صراع طويلة ومعقدة".
ورغم ما يمنحه هذا النموذج من مرونة، يرى مختصون أن ازدواجية الخطاب قد تتحول إلى أداة تضليل، تستخدم لإخفاء النوايا الحقيقية، خصوصًا في ظل التناقض الواضح بين التصريحات السياسية والواقع الميداني.
ويشير هؤلاء إلى أن استمرار الهجمات رغم رسائل التهدئة يؤشر على نمط قائم على كسب الوقت وتخفيف الضغوط الدولية، دون تغيير في الإستراتيجية العامة.
بدوره قال الباحث في الشؤون الإستراتيجية علاء النشوع إن "العالم والدول الإقليمية باتت تنظر إلى السلوك الإيراني على الأرض أكثر من الخطاب الصادر عن طهران؛ لأن التجربة أثبتت أن الفجوة بين التصريحات والممارسة الميدانية كبيرة".
وأضاف النشوع لـ"إرم نيوز" أن "القيادة الإيرانية تعتقد أنها تدير نوعًا من الحرب النفسية عبر هذا التباين، فهي تطرح خطاب تهدئة لخفض الضغوط، بالتوازي مع أفعال تصعيدية تبقي خصومها في حالة استنزاف دائم".
وتابع أن "الرئيس في إيران ليس صاحب القرار النهائي في ملفات الحرب والسلم، بل يؤدي دورًا دبلوماسيًّا يركّز على امتصاص التوتر وإرسال رسائل مطمئنة، في حين تُدار القرارات الحقيقية من مستويات أعلى، وهو ما يجعل الخطاب السياسي أقل تعبيرًا عن الاتجاه الفعلي للسياسة الإيرانية".
ويرى مختصون أن "لعبة الأدوار" داخل النظام الإيراني قد تساعده على التكيف مع الضغوط المتصاعدة، لكنها في الوقت ذاته تخلق حالة من انعدام الثقة، وتزيد احتمالات سوء التقدير؛ ما قد يدفع نحو مزيد من التصعيد بدل التهدئة، خاصة في ظل حرب مفتوحة لا تزال ملامحها النهائية غير واضحة.