تثير محاولات جماعة الإخوان لإعادة تغلغلها في مؤسسات الدولة وبناء شبكات نفوذ بين الداخل والخارج، مخاوف متزايدة في السودان، حيث تسعى الجماعة إلى ذلك مستغلة الحرب والانقسامات الحاصلة، بهدف تمكين تموضعها داخل مؤسسات الدولة والمجال العام.
وتركز جماعة "الإخوان" على توظيف التمويل والدعم الخارجي عبر تنشيط شبكات اقتصادية وتنظيمية تحت مسميات متعددة عابرة للحدود، ما يمكّن التنظيم من إعادة تثبيت هويته لمرحلة ما بعد الحرب مستفيداً من انعدام الرقابة.
ووفق مسؤولين سياسيين، فإن التنظيم يطور هيكليتيه عبر مصادر تمويل متعددة، مسخراً أذرعه في الداخل من التشكيلات الإرهابية، بالاعتماد على خطاب تعبوي يستهدف الشباب، لا سيما في ظل الوضع الأمني والاقتصادي الهش، لضمان موقع متقدم في أي ترتيبات مستقبلية.
وقال مساعد رئيس حزب الأمة القومي السوداني، عروة الصادق، إن الحركة الإسلامية السودانية وواجهاتها وحزبها المحلول تتحرك في هذه المرحلة الحرجة وفق استراتيجية متعددة الطبقات، حيث تستثمر الحرب الدائرة لإعادة بناء شبكات نفوذها بين الخرطوم والخارج عبر ثلاث دوائر أساسية: شبكة التمويل، وشبكة الارتباطات الإقليمية، وشبكة المجموعات العسكرية المؤدلجة التي أعادت تشكيل حضورها في المشهد.
وأضاف الصادق، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن كل ما تتم مشاهدته اليوم يدل على أن التنظيم يتعامل مع هذه اللحظة التاريخية باعتبارها فرصة لإحياء مشروعه، وإعادة صياغة هويته السياسية، واستعادة موقعه في المجال العام عبر قنوات مالية وتنظيمية تمتد لأبعد من حدود السودان.
وأوضح الصادق أن شبكة النفوذ بين الخرطوم والخارج تنامت، إذ تعمل الحركة على تنشيط امتداداتها الخارجية في عواصم عديدة من خلال رجال أعمال يرتبطون تاريخياً بمشروع التمكين، حيث تتم إعادة تدوير رأس المال المنهوب سابقاً عبر شركات استثمارية خارج السودان، إضافة إلى شبكات علاقات مع مؤسسات ذات طابع ديني أو خيري توفر غطاءً يحجب الهوية الحركية للتمويل، وانخرطوا فيما يعرف بالمحافظ الرقمية والعملات المشفرة وتجارة الذهب والمعادن النفيسة التي يتعذر تتبع حركتها، ويجري ضخ هذا الدعم في مسارات مدروسة تعيد بناء البنية التنظيمية المتهالكة بعد سقوط نظام البشير.
وأشار إلى أنه تم استغلال الحرب لإعادة هندسة الشبكات الداخلية لأنها منحت التنظيم فرصة لإعادة إنتاج ذاته داخل الخرطوم عبر تشكيلات عسكرية مؤدلجة، تنشط تحت مظلات متعددة، من بينها "البراء بن مالك" و"البرق الخاطف" و"البنيان المرصوص" و"القعقاع"، ووحدات إضافية تعمل وفق عقيدة حركية متشددة لا تعترف بهرمية ولا انضباط القوات المسلحة.
وأكد الصادق أن هذه التشكيلات أصبحت الذراع التنفيذية لإعادة الانتشار السياسي، لأنها تمنح التنظيم قدرة على فرض واقع أمني يتيح له حجز مكان متقدم في خريطة السلطة المستقبلية، كما يستخدم الدعوة إلى "الاستنفار" كوسيلة لاستقطاب الشباب عبر خطاب تعبوي يربط الحرب بمشروع وجودي، مع إعادة بناء خلايا تنظيمية داخل الجامعات والأحياء الطرفية ومقار العمل ودواوين الحكومة عبر شبكات علاقات تمتد إلى الخارج.
وحول التمويل الخارجي وإعادة تشكيل الهوية السياسية، بين الصادق أن التنظيم يعتمد على مصادر متعددة للتمويل، بعضها يأتي عبر رجال أعمال مرتبطين به منذ سنوات التمكين، والبعض الآخر عبر مؤسسات خارجية ذات طابع خيري أو تعليمي، ويتم توظيف هذه الموارد في تلميع صورة الحركة عبر إعلام موجه وقنوات يصرف عليها بسخاء، وخطاب سياسي يقدم الإخوان باعتبارهم "حماة الدولة"، في مسعى لتجاوز الإرث الثقيل الذي تركه حكم الإنقاذ.
كما تُستخدم الموارد المالية في دعم الحملات الرقمية، وتنشيط العلاقات مع مراكز بحثية وشخصيات سياسية في الخارج، بهدف خلق رواية مضادة تحاول إضعاف الجهود الدولية والإقليمية الساعية لكبح نفوذ الحركة، وفق الصادق.
ولفت إلى أن تجاهل حركة "الإخوان" بحرية داخل المشهد السوداني يُشكل تهديداً يتجاوز البعد الأمني، لأن التنظيم يمتلك خبرة طويلة في بناء مؤسسات موازية، ويعتمد على خطاب عقائدي قادر على تعبئة قطاعات واسعة من المجتمع، لأن وجود تشكيلات عسكرية مؤدلجة ذات ولاء عقائدي، يمنح التنظيم فرصة لترسيخ واقع ميداني يتيح له التأثير على مستقبل الدولة، ويحول الحرب إلى منصة لإعادة تدوير المشروع الإخواني بصيغة أكثر تشدداً.
وذكر الصادق أن إطلاق يد التنظيم يفتح المجال لعودة شبكاته المالية العابرة للحدود، وهي شبكات تستند إلى تاريخ طويل من تدوير الأموال وتحويلها إلى أدوات لإعادة بناء مؤسسات سياسية وأمنية تخدم مشروعاً أيديولوجياً مغلقاً، ما يعيد السودان إلى مرحلة من الهيمنة الحركية التي دمّرت مؤسسات الدولة، ويعرقل أي مسار لبناء دولة وطنية تستند إلى العقد الاجتماعي، لأنه يمنح تنظيماً متمرساً فرصة استثمار الفوضى لإعادة إنتاج نسخة جديدة من مشروع التمكين ولكن بوسائل أكثر مرونة وقدرة على التخفي.
وأضاف أن الحركة الإسلامية تتبع هذه الأساليب، معتمدة على الحرب كنافذة لإعادة صياغة حضورها في المجال السياسي، وتركها تتحرك دون ضبط يعني فتح الباب أمام مشروع يعيد إنتاج الاصطفافات القديمة التي أدت لانهيار الدولة، ويمنح تنظيماً يتمتع بخبرة تنظيمية ضخمة فرصة لاستعادة أدوات السيطرة.
واختتم الصادق حديثه بالإشارة إلى أنه لوقف هذا المد، يحتاج السودان إلى إطار وطني موحد يحاصر هذا النشاط عبر رقابة مالية دقيقة، ومنظومة قانونية حاسمة، ورؤية سياسية تضع حماية المجال العام فوق حسابات التحالفات الظرفية، وحصار إقليمي ودولي يجرد هذا التنظيم من أدوات تمدده، لأن فكره يتخطى القطرية إلى الأممية، وعلى سبيل ذلك عندهم الغاية تبرر الوسيلة سلماً أو عنفاً.
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي، محمد المختار محمد، إن خطورة إخوان السودان عن بقية فروع التنظيم العالمي التي صنفت مؤخراً كمنظمات إرهابية، تكمن في أنهم ليسوا مجرد حزب سياسي، بل دولة داخل دولة مختطفة بالكامل، يعتمدون على تمويل خارجي من دول حليفة للإخوان بشكل استراتيجي، ودول أخرى غير متسقة في مواجهة التطرف والإرهاب، تلعب أدواراً مزدوجة في الأزمة السودانية.
وأضاف محمد، لـ"إرم نيوز"، أن إخوان السودان لديهم خبرة طويلة في الحروب الأهلية التي خاضوها خلال أكثر من ثلاثة عقود، بخطاب الجهاد والشريعة في جنوب السودان ودارفور، والنيل الأزرق وجنوب كردفان، واستطاعوا تصدير الحرب الأهلية الحالية لتكون مهددة للأمن والسلم الإقليمي، بتوظيف التقاطعات الخارجية لمصلحتهم، وتوريط بعض الدول في المستنقع السوداني.
وأشار إلى أن التمويل الخارجي للإخوان من خلف قناع قوات بورتسودان هو الأخطر، ويطيل أمد الصراع والمأساة الإنسانية، ويقوض الجهود الدولية ومصداقية بعض الدول تجاه تعهداتها مع الحلفاء الدوليين، وهذا التمويل يحول الحركة الإسلامية إلى "كارتيل" عابر للحدود يرى في استمرار الحرب مصلحة اقتصادية عليا، وفي الوقت نفسه يحول السودان لبؤرة للجماعات الإخوانية في البلدان التي صنفت فيها كمنظمات إرهابية.
وأوضح محمد أن هناك أنباء متواترة عن وجود معسكرات تدريب لجماعات متطرفة في السودان، لذلك فإن تفكيك شبكات مصادر التمويل الإقليمي لا يقل أهمية عن مواجهتهم سياسياً.
واختتم محمد حديثه بالإشارة إلى أن الدعم الخارجي حوّل بورتسودان من مقر إداري إلى رئة يتنفس منها الإخوان، أعادوا من خلالها بناء قوة التنظيم المالية التي تضررت بعد الثورة، كما أن السيطرة على ميناء بأهمية بورتسودان مكنهم من تصدير الذهب وتلقي الدعم اللوجستي تحت ستار الإغاثة الإنسانية.
وأكد أن خطورة التمويل الخارجي للحركة الإسلامية تقوض بدورها الجهود الدولية لإيقاف الحرب، وتمنحها القدرة على فرض أجندتها وعدم التنازل في أي مفاوضات، لأنهم يمتلكون الموارد للاستمرار في الحرب لسنوات طويلة، والقدرة على استقطاب المقاتلين المتطرفين والمرتزقة.