logo
العالم العربي

"فورين بوليسي": مفاوضات لبنان وإسرائيل تحرك تاريخي "لا تكتيك"

رجل يحمل علم حزب الله، في مدينة صور، جنوب لبنانالمصدر: رويترز

رأت مجلة "فورين بوليسي"، أن انخراط لبنان في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل يتجاوز كونه خطوة تكتيكية لاحتواء التصعيد العسكري، ليعكس تحولًا أعمق في مقاربة الدولة اللبنانية.

وبيّنت أن ذلك التحول يقوم على إعادة صياغة ميزان القوة الداخلي وتقليص نفوذ "حزب الله"، في لحظة إقليمية تتقاطع فيها الضغوط العسكرية مع الحسابات السياسية، مؤكدة أن لبنان ينهي علاقته بميليشيا "حزب الله" بعد أن بدأ محادثات مع إسرائيل تدور حول هزيمة عدوهما المشترك.

ورغم أن الدفع الأمريكي نحو تهدئة الجبهة اللبنانية، بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فُسّر على نطاق واسع باعتباره محاولة لتحقيق إنجاز دبلوماسي في ظل الحرب مع إيران، إلا أن ما حظي باهتمام أقل هو الدوافع اللبنانية الداخلية التي قادت إلى هذا المسار، والتي تعكس رغبة متزايدة في استعادة القرار السيادي من قبضة التوازنات الإقليمية.

أداة المفاوضات

ومنذ اندلاع الحرب الأخيرة، تبنّت الدولة اللبنانية خطابًا أكثر وضوحًا في تحميل حزب الله مسؤولية إدخال البلاد في مواجهة عسكرية مرتبطة بأجندة إيرانية، وهو ما مهّد لتبني خيار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، ليس فقط لإنهاء الصراع، بل لإيجاد مدخل عملي لمعالجة "مشكلة السلاح" داخل الدولة.

وتُظهر المعطيات أن بيروت تنظر إلى هذا المسار كفرصة تاريخية لإعادة تثبيت مبدأ احتكار الدولة للقوة، إذ إن أي تسوية مع إسرائيل، من وجهة نظرها، يجب أن تترافق مع إعادة ترتيب الوضع الداخلي بما يقلص من قدرة الفاعلين غير الدوليين على فرض سياسات أمر واقع.

أخبار ذات صلة

ترامب متحدثاً للصحفيين عقب الاجتماع

تصعيد "حزب الله" يهدد هدنة لبنان وترامب يريد قطع شريان إيران

وفي هذا السياق، شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على أن لبنان لم يعد "ساحة لصراعات الآخرين ولا أداة في حروبهم"، في إشارة مباشرة إلى السعي لفك الارتباط مع النفوذ الإيراني، واستعادة القرار الوطني المستقل.

ويرى المحلل السياسي سامي نادر أن مجرد الانخراط في حوار مباشر مع إسرائيل يحمل دلالة استراتيجية، إذ يعكس "فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني"، ويؤكد محاولة بيروت إعادة تموضعها ضمن توازنات إقليمية أقل ارتهانًا.

تقاطع مصالح

في المقابل، توضح "فورين بوليسي" أن إسرائيل تنظر إلى هذه المفاوضات من زاوية أمنية بالدرجة الأولى، حيث يسعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تثبيت معادلة ردع جديدة دون تقديم تنازلات استراتيجية، خصوصًا في ما يتعلق بالانسحاب من الأراضي الحدودية.

ووفق تقديرات أمنية نقلتها المجلة، وافقت إسرائيل على وقف إطلاق النار ضمن شروط "مرنة"، تتيح لها الحفاظ على وجود عسكري محدود يهدف إلى إبقاء المناطق الشمالية خارج نطاق تهديد حزب الله، مع الاستمرار في استهداف عناصره المسلحة جنوب نهر الليطاني.

في المقابل، تراهن إسرائيل على أن تبادر الدولة اللبنانية إلى توسيع نطاق سيطرتها شمال الليطاني، بما في ذلك نزع سلاح الحزب تدريجيًا، على أن يكون أي انسحاب إسرائيلي لاحقًا مشروطًا بمدى تحقق هذه الترتيبات.

هذا التقاطع في المصالح، بين رغبة لبنان في استعادة السيادة، وسعي إسرائيل لتعزيز أمنها، يوفّر أرضية مشتركة، لكنه يبقى هشًا بسبب اختلاف الأهداف النهائية لكل طرف.

عملية طويلة

وتؤكد المجلة أن المفاوضات الحالية يجب فهمها كجزء من عملية تدريجية معقدة، وليس كاختراق سريع، حيث شدد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على أن"ما يجري هو عملية وليس حدثًا"، في إشارة إلى الحاجة لصبر استراتيجي وإدارة دقيقة للتوقعات.

وقد شهدت واشنطن بالفعل أول اتصال دبلوماسي مباشر بين لبنان وإسرائيل على مستوى السفراء منذ عام 1983، وُصف بأنه خطوة تاريخية، مع التخطيط لجولات إضافية من المحادثات في الأسابيع التالية.

ومع ذلك، تبقى احتمالات دمج الملف اللبناني ضمن المفاوضات الأوسع مع إيران غير واضحة، إذ تشير تقديرات إلى أن طهران لن تكون مستعدة بسهولة للتخلي عن "ورقة حزب الله"، التي تمثل أحد أهم أدوات نفوذها الإقليمي.

التحدي الأكبر

ويبقى ملف سلاح "حزب الله" التحدي الأكثر تعقيدًا في هذا المسار، حيث يرفض الحزب بشكل قاطع هذه المفاوضات، ويعتبرها تهديدًا مباشرًا لمكانته ودوره.

آليات عسكرية إسرائيلية قرب الحدود اللبنانية-الإسرائيلية

وتحذر المجلة من أن أي محاولة لفرض نزع سلاح الحزب بشكل سريع قد تؤدي إلى اضطرابات داخلية خطيرة، خاصة في ظل التوازنات الطائفية الحساسة، وهو ما قد يفتح الباب أمام صراع داخلي بدلًا من تحقيق الاستقرار.

كما نقلت عن تحذيرات سابقة لقيادات في الحزب من أن أي مواجهة مباشرة مع الجيش اللبناني قد تؤدي إلى تداعيات كارثية على الاستقرار الداخلي.

في قلب المعادلة

في ضوء هذه التعقيدات، يبرز الجيش اللبناني كركيزة أساسية لأي تحول محتمل في ميزان القوة، حيث يتمتع بمستوى عالٍ من الثقة الشعبية، لكنه يواجه قيودًا كبيرة على مستوى القدرات العسكرية.

وتشير تحليلات نقلتها المجلة إلى أن الجيش يحتل مرتبة متأخرة عالميًا من حيث القوة العسكرية، رغم تمتعه بنسبة تأييد داخلي تصل إلى نحو 90%، ما يعكس فجوة بين الشرعية الشعبية والقدرة العملياتية.

أخبار ذات صلة

وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي

يوسف رجي: لبنان لم يعد يحتمل حروب الآخرين وأوهام الانتصارات

وفي هذا السياق، طُرحت عدة مقاربات لتعزيز دور الجيش، من بينها زيادة الرواتب، وتوسيع برامج التدريب بدعم غربي، إلى جانب الاستفادة من نماذج إصلاحية سابقة مثل خطة كيث دايتون، التي هدفت إلى بناء أجهزة أمنية قادرة على فرض الاستقرار الداخلي ضمن بيئة سياسية معقدة.

كما يجري بحث إمكانية إنشاء قوة دولية متعددة الجنسيات بولاية أقوى من قوة اليونيفيل، بحيث تكون قادرة على دعم الجيش اللبناني في تنفيذ مهامه، بدل الاكتفاء بدور المراقبة التقليدي.

مخاطر الانزلاق

ورغم هذه الطروحات، تحذر "فورين بوليسي" من أن المسار الحالي يبقى هشًا، إذ يمكن لأي خطأ في التقدير، سواء من الجانب الإسرائيلي أو اللبناني، أن يعيد إشعال المواجهة.

وتبرز مخاوف من أن الضغوط الداخلية داخل إسرائيل قد تدفع نحو مواقف أكثر تشددًا، في حين قد يستخدم حزب الله أي تصعيد لإعادة تثبيت شرعيته كقوة “مقاومة”، خاصة إذا تمكن من تصوير المفاوضات كتنازل سيادي.

كما أن غياب ضمانات دولية قوية أو إطار تنفيذي واضح لأي اتفاق محتمل يزيد من احتمالات التعثر، خصوصًا في ظل التجارب السابقة غير المكتملة.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC