فتحت عودة ملف عناصر تنظيم "داعش" الأجانب إلى الواجهة، بعد إعلان بدء نقل آلاف المعتقلين من سوريا إلى العراق، باباً واسعاً من الأسئلة القانونية والدبلوماسية، في توقيت تسعى فيه بغداد إلى تثبيت صورة الدولة القادرة على إدارة أخطر ملفات ما بعد الحرب، من دون الانزلاق إلى ضغوط دولية أو اشتباك سياسي مع العواصم الغربية.
وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، مؤخرًا، بدء نقل ما يصل إلى 7 آلاف معتقل من عناصر التنظيم المحتجزين في شمال شرقي سوريا إلى مرافق خاضعة للسيطرة العراقية، في خطوة أعادت الجدل حول آليات المحاكمة، وطبيعة الأحكام، ومسؤوليات الدول التي ينتمي إليها هؤلاء المقاتلون.
وأكد مجلس القضاء الأعلى في العراق، في بيان رسمي، أن القضاء سيباشر باتخاذ الإجراءات القضائية الأصولية بحق المتهمين من عناصر التنظيم الذين سيتم تسلمهم، مع التشديد على توثيق وأرشفة الجرائم الإرهابية المرتكبة، وبالتنسيق مع المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي، لضمان عدم إفلات أي متهم من المساءلة القانونية.
غير أن هذا المسار، على وضوحه من الناحية السيادية، لا يخلو من تعقيدات خارجية؛ ففي تقارير سابقة لمنظمات حقوقية دولية، بينها هيومن رايتس ووتش خلال عام 2024، جرى التركيز على مخاوف تتعلق بضمانات المحاكمة العادلة، واستخدام عقوبة الإعدام، وظروف الاحتجاز، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بمعتقلين أجانب تطالب دولهم بمعايير قضائية محددة أو ترفض استلامهم أساساً.
وقال الباحث في الشأن السياسي مجاشع التميمي، إن "الموضوع حساس، وأي تعاطٍ عشوائي معه سيكلف العراق سياسياً وقانونياً"، موضحاً أن "الإشكال ليس في محاكمة عناصر داعش بحد ذاتها، بل في طريقة المحاكمة ومعاييرها".
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "التقارير الأوروبية تركز على ثلاثة ملفات رئيسة، وهي ضمانات المحاكمة العادلة، وعقوبة الإعدام، وحقوق الأجانب، وتجاهل هذا البعد يفتح باب ضغط دبلوماسي وإعلامي واقتصادي على بغداد".
وأشار الباحث التميمي، إلى أن "المواجهة لا تكون بالإنكار أو الخطاب الشعبوي، بل عبر مسارات قانونية واضحة، تشمل توثيقاً قضائياً شفافاً، والسماح برقابة أممية محدودة، وتفعيل اتفاقيات نقل المحكومين الأجانب، وربط الملف بخطاب قانوني لا أمني فقط"، مؤكداً أن "العراق انتصر عسكرياً على داعش، لكنه ما زال يُختبر قانونياً، والفشل في هذا الاختبار سيُستثمر ضد الدولة".
ومع شروع العراق بتسلم عناصر تنظيم "داعش" من سوريا، يبرز تحدٍّ إضافي يتمثل في إثبات الانتماء الفعلي لهؤلاء المعتقلين إلى التنظيم، ولا سيما في ظل الاتهامات التي طالت قوات سوريا الديمقراطية "قسد" باتباع إجراءات تعسفية، وتنفيذ اعتقالات لا تستند دائماً إلى أطر قانونية واضحة، فضلاً عن غياب منظومة قضائية مكتملة المعالم داخل مناطق سيطرتها.
ويضع هذا الواقع القضاء العراقي أمام عبء مضاعف، إذ لا يقتصر الأمر على محاكمة المتهمين، بل يتطلب إعادة بناء الملفات من الصفر، عبر جمع الأدلة، وتدقيق الاعترافات، وربط الوقائع الجنائية بسياقها الزماني والمكاني، بما يضمن عدم الطعن بشرعية الإجراءات لاحقاً، ويجنب بغداد الوقوع في دائرة تشكيك قانوني أو ضغط دولي قد يُستثمر لإضعاف مسار المحاكمات أو الطعن بنتائجها.
من جانبه، قال الباحث القانوني علي التميمي، إن "كل جريمة ترتكب داخل العراق يطبق عليها القانون العراقي سواء كان الجاني عراقياً أم أجنبياً".
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "المنتمين إلى داعش الذين يُسلمون إلى العراق يمكن أيضاً محاكمتهم استناداً إلى المادة (9) من قانون العقوبات، إذا كانت الجرائم المرتكبة خارج البلاد قد امتد أثرها إلى الأمن القومي العراقي".
وبيّن التميمي أن "إنشاء محكمة دولية خاصة يحتاج إلى قرار من مجلس الأمن وطلب رسمي من العراق أو سوريا، إضافة إلى ملف النفقات المالية، وهو ما يجعل هذا الخيار معقداً"، لافتاً إلى أن "العراق يستطيع المطالبة بمصاريف المحاكمة من دول المتهمين، لأن الأمر يتعلق بالتنفيذ لا بالقضاء".
وكان العراق قد جدد مطالباته للمجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته القانونية والإنسانية، ولا سيما عبر دعوة الدول المعنية إلى تسلم رعاياها المنتمين إلى التنظيم، بدلاً من إبقاء العبء القضائي والأمني محصوراً داخل الأراضي العراقية.