تزداد المخاوف الإسرائيلية من تكرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لسيناريو اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، على شكل تسوية مع إيران عقب مباحثات بين الجانبين في سلطنة عمان.
وبينما يحاول ترامب تجنب مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران تشير التقديرات إلى أنها ستكون طويلة ومكلفة، وقد تؤدي لتداعيات إقليمية واسعة، تعمل إسرائيل لدفع خيار توجيه ضربة عسكرية شاملة لإيران، تنتهي بإسقاط النظام.
ويرى المحلل السياسي عبد ربه العنزي أن الهواجس حول تكرار سيناريو غزة في أروقة صنع القرار الإسرائيلي تعكس قلقًا عميقًا تجاه توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ويقول العنزي إن "إسرائيل، التي اعتبرت ترامب حليفًا مطلقًا في ولايته الأولى، تجد نفسها اليوم أمام نسخة أكثر براغماتية تميل إلى إبرام الصفقات الكبرى حتى مع خصومها التقليديين".
ويضيف أن "المؤسسة الأمنية في إسرائيل تخشى أن يفرض ترامب تسويات منقوصة تنهي الحروب، سواء في غزة أو لبنان، دون القضاء الكامل على التهديدات العسكرية، بما يخدم استقرارًا سريعًا وأجندته الاقتصادية".
ويشير إلى هواجس إسرائيلية تتعلق ببقاء فصائل مثل حركة حماس أو حزب الله كقوى قائمة، حتى إذا كانت ضعيفة، مما قد يؤجل الانفجار القادم بدل حله.
ويقول العنزي: "المخاوف الإسرائيلية من براغماتية ترامب تتركز على احتمال أن يبرم اتفاقًا مع طهران يركز على منع السلاح النووي مقابل رفع العقوبات، متجاهلًا المشروع الصاروخي الباليستي والنفوذ الإقليمي لإيران، ما يمنح النظام الإيراني حصانة دولية ويحد من قدرة إسرائيل على توجيه ضربات مستقبلية".
وحول المخاوف الإسرائيلية يشير إلى أنها تتضمن خشية تل أبيب من أن تضمن أي تفاهمات أمريكية-إيرانية مصالح واشنطن المباشرة، مثل أمن الملاحة وتدفق النفط، مقابل ترك إسرائيل تواجه التهديدات وحدها.
ويؤكد أن هذه الهواجس تستند إلى معطيات استخباراتية وسياسية، منها تقارير أشارت مؤخرًا إلى ترميم القدرات الإيرانية ونقل اليورانيوم المخصب وتحصين المنشآت الصاروخية في أعماق الأرض، ما يجعل الدبلوماسية بمثابة طوق نجاة لإيران لا تقبله إسرائيل.
ويعتبر العنزي أن "التناقض بين صورة ترامب كقائد عسكري حازم ورغبته في تقليل الانخراط الأمريكي في صراعات الشرق الأوسط المكلفة، يزيد من القلق الإسرائيلي حول قدرة تل أبيب على ضمان أمنها في مواجهة إيران".
ويضيف أنّ "الهدف الأعلى للسياسة الأمريكية هو منع توسع الحرب على مستوى الإقليم، واستخدام أدوات الضغط على إيران عبر العقوبات والردع العسكري والرسائل غير المباشرة، مقابل سعيها إلى تهدئة مشروطة في غزة، لا ترقى إلى وقف دائم للحرب أو إلى مسار سياسي حقيقي".
ويمضي قائلاً إن "قدرة واشنطن على الضغط على تل أبيب تبقى محدودة، فهي لا تسعى لإنهاء الحرب بل لإدارتها، في ظل استمرار الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل، ما يجعل أي انفراج في غزة مؤقتًا ومشروطًا ومرتبطًا مباشرة بالملف الإيراني وحسابات الردع الإقليمي".
ويشير إلى أن الضغوط الأمريكية على طهران لا تهدف إلى تفكيك نفوذها الإقليمي، بقدر ما تسعى إلى احتوائه وضبطه ضمن سقف يمنع الانفجار الشامل ولا يغير موازين القوة جذريًا، مشيرًا إلى أن الاستراتيجية الأمريكية تقوم على منع إيران من التحول إلى قوة مهيمنة أو توسيع الاشتباك إلى حرب إقليمية مفتوحة.
ويعتقد أن واشنطن تقبل ضمنيًا استمرار نفوذ إيراني مضبوط طالما بقي تحت السيطرة ولم يمسّ المصالح الاستراتيجية الأمريكية أو أمن إسرائيل، ما يجعل سياسة الضغط أقرب إلى الاحتواء البراغماتي منها إلى مشروع تفكيك شامل للنفوذ الإيراني.
من جانبه، يعتقد المختص في الشأن الأمريكي عوض سيلمية، أن المفاوضات الأخيرة التي جرت في سلطنة عُمان، والتي جاءت استئنافًا للجولات السابقة بعد توقف فرضته حرب 12 يومًا، تعكس ربطًا أمريكا واضحًا بين عدة ملفات على طاولة التفاوض مع إيران، في مقدمتها الملف النووي، والصواريخ الباليستية، واليورانيوم، إضافة إلى إدراج ملف حقوق الإنسان.
ويقول لـ"إرم نيوز" إن "الولايات المتحدة، رغم ذلك، لم تُدرج رسميًا ضمن بنود التفاوض ملف ما تسميه وكلاء إيران في المنطقة، سواء في قطاع غزة أو لبنان أو اليمن أو العراق، لكنها عمليًا تضع هذه القضايا في السياق العام للضغط السياسي على طهران، وتطالبها بالالتزام بحزمة مطالب تحت التهديد بالقوة أو بالعقوبات أو حتى بالحرب".
ويشير إلى أن مسار التهدئة في غزة، ومسار الردع تجاه إيران يسيران بشكل منفصل من حيث الأهداف والنتائج، رغم أن واشنطن تجمع بينهما سياسيًا، باعتبار أن الفصائل المسلحة في غزة وحزب الله والحوثيين تُصنَّف أمريكا كأذرع لإيران في المنطقة.
ويعتقد سليمية أن سياسة الضغط الأمريكية على طهران تقوم على مسارين، الأول إضعاف النظام ودفعه لتغيير سياساته الخارجية، لا إسقاطه بالكامل، لأن ذلك قد يفتح الباب أمام حرب طويلة لا يرغب بها ترامب، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، فضلًا عن المخاوف من فوضى إقليمية تهدد أمن المنطقة وسلاسل الإمداد في مضيق هرمز وبحر العرب.
وخلافًا للرؤية الأمريكية، ترى إسرائيل أن هذا التوقيت "فرصة تاريخية" لإسقاط النظام الإيراني بالكامل، وبالتالي سقوط وكلائه تباعًا وحرمانهم من أية فرصة لاستعادة قواهم.
وحول هذه الاختلاف، يقول سليمية: "إسرائيل تصعد مطالبها إلى أقصى حد أمام الإدارة الأمريكية، لتضمن تحقيق أهدافها، خشية من أن تعيد الإدارة الأمريكية اتفاقية خطة العمل الشاملة المشتركة التي أُبرمت في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، والتي ركزت على البرنامج النووي أكثر من الصواريخ الباليستية".
ويشدد على أن تل أبيب تشير بوضوح إلى أن البرنامج الصاروخي الإيراني يشكل خطًا أحمر يجب عدم التغافل عنه.