يرى خبراء وسياسيون عراقيون أن الانتخابات البرلمانية المقررة في الحادي عشر من الشهر الحالي، تمثل محطة مفصلية في التاريخ السياسي الحديث للعراق.
ويُنتظر أن تؤسس هذه الانتخابات لمرحلة جديدة تمتد لعقدين قادمين من التفاهمات وإعادة توزيع النفوذ داخل المشهد السياسي، في ظل تحولات إقليمية متسارعة يعيشها الشرق الأوسط، وتبدل مراكز القوة بين المحاور المتصارعة.
وتأتي الانتخابات وسط سباق محموم بين القوى التقليدية والناشئة، في مشهد يوصف بأنه الأكثر سخونة منذ عام 2005، فيما تراقب قوى دولية وإقليمية مجريات المشهد عن قرب، في ظل مؤشرات على أن نتائجها قد تحدد شكل التحالفات المقبلة، ليس داخل العراق فحسب، بل في معادلة النفوذ الأوسع في المنطقة.
ظروف معقدة
في هذا السياق، قال الباحث والأكاديمي، علي ناصر إن “الانتخابات الحالية تجري في ظل ظروف داخلية وإقليمية بالغة التعقيد، لكنها رغم ذلك ستكون ناجحة بفضل حالة الاستقرار النسبي التي شهدها العراق في الأشهر الأخيرة، بعد حسم مواقع الاقتراع والخلافات الفنية المتعلقة بها”.
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن “المرحلة المقبلة ستكشف عن حجم التأثير الخارجي في الداخل العراقي، خصوصًا مع التحركات الأمريكية التي أعقبت تصريحات الرئيس دونالد ترامب الأخيرة حول أهمية النفط العراقي، وإرسال مبعوث خاص لمتابعة الملف السياسي”.
وأشار إلى أن “الولايات المتحدة ودولًا أخرى تحاول توجيه نتائج الانتخابات بما ينسجم مع مصالحها في الشرق الأوسط، لا سيما مع تصاعد التهديدات الإسرائيلية وتبدّل موازين القوى في المنطقة”.
وأوضح أن “التصويت في هذه الانتخابات سيكون معيارًا فاصلًا بين من يريد استمرار منظومة الفساد ومن يسعى إلى التغيير، وأن المرحلة المقبلة تتطلب اختيار شخصيات نزيهة قادرة على مواجهة النفوذ الخارجي ووقف استنزاف المال العام".
ويرى مختصون أن العراق يخوض هذه الانتخابات في لحظة حساسة تتراجع فيها الهيمنة الإيرانية بشكل تدريجي، بفعل الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تواجهها طهران، مقابل تمدد النفوذ الأمريكي في ملفات الطاقة والاستثمار والوجود العسكري، ما يجعل المشهد الانتخابي جزءًا من صراع أوسع لإعادة رسم الخريطة الإقليمية.
كما تشهد البلاد حالة غير مسبوقة من التحشيد الإعلامي والسياسي، وسط انقسام واضح بين دعاة المقاطعة والمشاركين، وتنامي دور مواقع التواصل الاجتماعي في توجيه الرأي العام، فيما تسعى القوى الكبرى إلى حماية مواقعها التقليدية عبر المال السياسي والخطاب الهوياتي.
تأسيس لعقدين مقبلين
من جهته، أكد رئيس حزب "تقدم" محمد الحلبوسي أن "الانتخابات الحالية ستكون محطة تأسيسية للعقدين المقبلين من التفاهمات السياسية"، موضحًا في حديث متلفز أن “المتغيرات في الشرق الأوسط ستنعكس حتمًا على العراق، وأن هذه الدورة ستعيد رسم هيكل النظام السياسي وتوازناته الداخلية".
وأضاف الحلبوسي أن “الوعي الشعبي المتنامي إزاء طبيعة المشاركة السياسية سيؤدي إلى بروز قوى جديدة، وأن المرحلة المقبلة ستشهد استقرارًا نسبيًا في المعادلات الداخلية، بعد عقدين من الاضطراب والصراع".
وتشير قراءات سياسية إلى أن هذه الانتخابات قد تمثل اختبارًا حقيقيًا لمعادلة النفوذ التقليدي بين التيار الشيعي والإطار التنسيقي من جهة، والقوى السنية والكردية من جهة أخرى، في ظل غياب التيار الصدري، وتنامي الطموح داخل بعض الكتل للانتقال إلى أدوار أوسع في الحكم.
ثلاثة محاور
بدوره، رأى الباحث السياسي عماد محمد، أن "العراق يدخل الانتخابات وهو محاط بثلاثة محاور متشابكة؛ أمريكي، وإيراني، وتركي، وكل طرف يسعى لتثبيت نفوذه عبر أدوات سياسية داخلية”.
وبين أن “تراجع الدور الإيراني في بعض الملفات الأمنية، وعودة النشاط الأمريكي من بوابة الاقتصاد والطاقة، جعلا من المشهد الانتخابي ساحة لتصفية الحسابات بطريقة ناعمة”.
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن “التحالفات التي ستلي الانتخابات ستكون هي العامل الحاسم في تحديد هوية الحكومة المقبلة، وأن شكل البرلمان القادم سيعكس التوازن الجديد بين مراكز القوة الإقليمية، وليس فقط بين الأحزاب العراقية”.
ويرى متابعون أن الأهمية الاستثنائية للانتخابات العراقية المقبلة تكمن في كونها تتزامن مع تحولات كبرى في المنطقة، من الملف الإيراني إلى إعادة التموضع الأمريكي، مرورًا بصفقات النفط والغاز وخطوط الطاقة العابرة، وهو ما يجعل النتائج المقبلة مرآة لتوازن القوى بين الخارج والداخل.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، تتكثف الحملات الدعائية والشعارات المتقابلة، بين دعوات الإصلاح والاتهامات المتبادلة بالفساد والتبعية، فيما يترقب الشارع العراقي ما ستسفر عنه صناديق الاقتراع، في اختبار جديد لقدرة الدولة على تجديد نظامها السياسي من دون العودة إلى الفوضى أو الصدام.