logo
العالم العربي

فجوة عميقة بين النصوص والأرض.. إسرائيل تُعيد "إنتاج الحرب" في غزة

آثار الدمار جراء الحرب على قطاع غزةالمصدر: رويترز

تكشف الأوضاع الميدانية في قطاع غزة عن فجوة واسعة بين نصوص اتفاق وقف إطلاق النار وتطبيقها على الأرض، إذ لا يعكس الاتفاق نهاية الحرب بقدر ما يعيد إدارتها بأدوات مختلفة.

وتركّز التفسيرات الإسرائيلية للاتفاق على استعادة الرهائن ونزع سلاح حماس قبل أي مسار سياسي أو إنساني، فيما تبرز تساؤلات حول الضمانات والآليات الدولية الملزمة، ما يجعل الاتفاق هشًّا وقابلًا للتأثر بالضغوط السياسية والعسكرية.

وتقول أحدث إحصائيات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إنه خلال أكثر من 115 يومًا على سريان وقف إطلاق النار، ارتكبت إسرائيل 1520 خرقًا للاتفاق تسببت في مقتل أكثر من 560 فلسطينيًا.

إنتاج الحرب

يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس المفتوحة، قصي حامد، أن النصوص تُكتب، لكن الفعل على أرض الواقع هو الذي يحدد اتجاهات هذه الاتفاقات، وأن الأمر يتوقف على كيفية تفسير الأطراف فحوى هذه النصوص، وبالأخص إسرائيل التي تفسرها بطريقة مختلفة تمامًا عن حماس، بل وتختلف أحيانًا عن النص الأساسي الذي وُضع.

ويقول حامد لـ"إرم نيوز" إنّ "إسرائيل تعتبر أن الجزء الأهم في نصوص الاتفاق هو استعادة الأسرى وجثامينهم، وهو ما تحقق في الأيام الأولى لوقف إطلاق النار، لكن الحرب بالنسبة لها لم تتوقف، بل غيّرت وسائلها وأدوات إدارتها".

ويضيف أن "الحرب أصبحت تأخذ أوجهًا أخرى، كتعطيل الإعمار والمساعدات الإنسانية، وعدم الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، إضافة إلى الاحتفاظ بحرية العمل العسكري في القطاع على غرار ما تمارسه في لبنان".

ويشير إلى أن عدم محاسبة إسرائيل على المماطلة في تنفيذ بنود الاتفاق، وغياب دور جدي للولايات المتحدة للضغط على إسرائيل، يعمّق هذه الفجوة ويمنح إسرائيل مساحة للتحكم بما يُنفذ وما لا يُنفذ من هذا الاتفاق، في ظل اختلال توازن القوة بين الطرفين.

ويقول أستاذ العلوم السياسية إن "البيئة السياسية في المنطقة متقلبة، وإن الاتفاقات غالبًا ما تُوقّع في لحظات ضغط، لكن الحسابات العسكرية والسياسية والداخلية، مثل الانتخابات في إسرائيل، تجعل تفسير النصوص وفهم الاتفاق يتم بطرق مختلفة".

ويشدد على أنه لا توجد لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إرادة حقيقية لوقف إطلاق النار، مضيفًا: "على العكس من ذلك، نتنياهو يشعر أن أمامه الكثير لتحقيقه في قطاع غزة، وبالأخص فيما يتعلق بإعادة هيكلة الواقع الجغرافي والديمغرافي في القطاع، وهو ما يفسر الآلية التي سُمح بالعمل بها في معبر رفح، فيما يتعلق بأعداد الخارجين والعائدين من وإلى القطاع".

ويشترط نتنياهو الانتقال إلى أي من بنود المرحلة الثانية بنزع السلاح أولًا، ويضغط باتجاه تأطير مهمة قوة السلام الدولية في تنفيذ مهام نزع السلاح، وفق ما يقول حامد.

ويؤكد أن "ذلك يدل على فهم نتنياهو لاتفاق وقف إطلاق النار، وهو ما يضع العراقيل أمام تشكيل هذه القوة، نظرًا لإحجام الدول عن إرسال قواتها والاشتباك مع الفصائل الفلسطينية نيابة عن إسرائيل، وهو ما يمنح نتنياهو المبررات للاستمرار في استهداف قادة حماس واستهداف قطاع غزة بصورة متواترة".

ويشير إلى أن "اتفاق وقف إطلاق النار لم يكن مرادًا منه إنهاء الصراع، بل إعادة إنتاج الحرب بصورة جديدة في قطاع غزة؛ لا حرب ولا سلم، بحيث تقل كثافة الضربات العسكرية دون أن تنتهي، ويزداد الضغط السياسي على حركة حماس لتسليم سلاحها".

وبحسب حامد، هناك فجوة واضحة بين ما يريده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وما تريده إسرائيل، وما تريده حماس، مشيرًا إلى أن هذه الفجوة تجعل التقدم نحو المرحلة الثانية صعبًا، ويحتاج إلى ضغط وآليات دولية غير متوفرة حاليًا.

ويحذر من أن هذا الواقع يجعل اتفاق وقف إطلاق النار هشًّا ومعرضًا للانهيار، ويرجّح سيناريو استمرار إسرائيل في توسيع ضرباتها تدريجيًا، خاصة إذا شعرت أن المجتمع الدولي لن يتخذ خطوة جدية باتجاه نزع سلاح حماس، ويرتبط ذلك أيضًا بمآلات المفاوضات أو المواجهة مع إيران.

وفي ظل هذه السياقات، يعتقد حامد أن "وقف إطلاق النار تحت التهديد، وقد تتجه إسرائيل إلى توسيع ضرباتها في المرحلة القادمة تجاه قطاع غزة، ونتنياهو سوف يراوح في هذا السلوك من المماطلة لتعزيز حظوظه في الانتخابات الإسرائيلية القادمة".

النصوص فضفاضة

من جانبه، يعتقد المحلل السياسي عدنان الصباح أن من أسباب الخلل في تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار في غزة "القطيعة التامة" بين النصوص وبين التطبيق على الأرض.

ويقول الصباح لـ"إرم نيوز": "لا شيء من نصوص الاتفاق نُفذ بالكامل، باستثناء ما تعلق باستعادة إسرائيل للأسرى أحياءً وأمواتًا".

ويشير إلى أن هذه القطيعة قائمة لأن الأساس لم يكن واضحًا ومحددًا، إذ لا توجد آليات حقيقية للتنفيذ، بما في ذلك وقف الحرب، ووقف العمليات العدائية، ووقف إطلاق النار، مشيرًا إلى أن "النصوص فضفاضة وتحمل أوجهًا متعددة عند الضرورة، خصوصًا في غياب آليات رقابة".

ويضيف: "البند الخاص بالقوة الدولية، التي كان يمكن لها أن تلعب دور الرقابة، لم يُنفذ، كما أن مجلس الأمن ترك أمر التنفيذ وآلياته مفتوحًا، ومنح الحق المطلق لمجلس السلام قبل تكوينه بالكامل".

ويشدد الصباح على أن إسرائيل لا تزال مصممة على تحقيق أهدافها الخمسة، التي تستهدف في المحصلة غزة من دون سكانها، بدعم علني من الولايات المتحدة، ودون اعتراض حقيقي من أي طرف.

وتابع أن "نتنياهو يرغب في إبقاء الحالة القصوى من الضغط، لضرب عصفورين بحجر؛ من جهة يرضي شركاءه المتطرفين، ومن جهة ثانية يواصل حالة الحرب على غزة وعلى الضفة الغربية".

ويشير إلى أن هذه المعطيات "تبقي كل الاحتمالات مفتوحة، بدءًا من تسليم السلطة والسلاح من قبل حماس، وهو ما يبدو أقرب إلى الاستحالة بالشكل المطلوب من إسرائيل والولايات المتحدة، أو السيناريو الأكثر احتمالًا، وهو استخدام آليات لتفريغ السلاح لدى طرف ثالث".

ويعتقد الصباح أن "هذا الوضع يُعد إنجازًا بالنسبة لإسرائيل، لأنه يوفر لها وقتًا أطول لتحقيق أهدافها السياسية الأبعد في القدس والضفة الغربية، ويضمن استمرار الضغط على قطاع غزة مع الحفاظ على قدرة إسرائيل على المناورة السياسية والعسكرية". 

أخبار ذات علاقة

عضو المجلس الثوري لحركة فتح محمد اللحام

مسؤول فلسطيني لـ"إرم نيوز": إسرائيل تفرض واقعا على الأرض ينسف اتفاق غزة

ويختم بالقول إن "هشاشة الاتفاق، وتعدد التفسيرات، والغياب الفعلي للآليات الدولية، تجعل تطبيق نصوصه بشكل كامل بعيد المنال، ما يبقي غزة تحت حالة ضغط مستمرة، ويمنح إسرائيل فرصة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية على المدى الطويل".

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC