أعاد تأجيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية في العراق، الخلافات الكردية إلى واجهة المشهد السياسي في البلاد.
وحالت الانقسامات بين الحزبين الرئيسين في إقليم كردستان، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، دون حسم هوية الرئيس خلال الجلسة التي كان من المقرر عقدها الثلاثاء، قبل أن يُعلن عن تأجيلها بطلب رسمي من الحزبين.
ويُعد انتخاب رئيس الجمهورية استحقاقاً محورياً في العملية السياسية؛ إذ يترتب عليه تكليف رئيس الوزراء والشروع بتشكيل الحكومة الجديدة.
ويعني تأجيل الجلسة تجاوز المهلة الدستورية المحددة بشهر واحد من تاريخ انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب، التي عُقدت في التاسع والعشرين من كانون الأول الماضي، وهو سيناريو بات مألوفاً في الدورات السابقة نتيجة الخلافات السياسية الحادة.
ويخضع منصب رئيس الجمهورية، وفق العرف السياسي ونظام المحاصصة، لحصة المكون الكردي، مع عرف جزئي استقر خلال السنوات الماضية على ذهاب المنصب إلى الاتحاد الوطني الكردستاني.
هذه المرة تمسك الحزب الديمقراطي بمرشحه، رافضاً الانسحاب لصالح الاتحاد، في ظل خلافات أعمق تتعلق بتقاسم مناصب حكومة إقليم كردستان، التي ما زال تشكيلها معطلاً منذ أكثر من عام.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن قرار التأجيل لم يكن مفاجئاً، بل جاء نتيجة انسداد واضح في أفق التفاهم داخل البيت الكردي، وسط محاولات من قوى شيعية وسنية لتفادي الذهاب إلى تصويت محرج قد يعمّق الانقسام السياسي ويؤخر تشكيل الحكومة.
بدوره، قال الباحث والأكاديمي غالب الدعمي إن "تأجيل الجلسة يؤشر إلى غياب وجود خريطة طريق واضحة لدى القوى الكردية لحسم اختيار رئيس الجمهورية في الوقت الراهن".
وأضاف الدعمي لـ"إرم نيوز" أن "بعض أطراف الإطار التنسيقي اقترحت تأجيل نقل التصويت إلى الفضاء الوطني، لمنح الكتل الكردية فرصة إضافية للاتفاق على مرشح واحد وتجنب الإحراج السياسي داخل البرلمان".
وأشار إلى أن "الأيام القليلة المقبلة قد تشهد توافقاً يفضي إما إلى اختيار اسم متفق عليه أو الذهاب إلى التصويت وفق موازين جديدة قد ترجّح كفة أحد المرشحين".
وتشير معطيات سياسية إلى أن الإطار التنسيقي يحاول تجنب تحميله مسؤولية تعطيل الاستحقاق الدستوري، عبر دفع الأطراف الكردية إلى حسم موقفها داخلياً، خصوصاً في ظل انقسام المواقف السنية والشيعية إزاء بعض الأسماء المطروحة؛ ما يجعل أي تصويت غير توافقي محفوفاً بتداعيات سياسية معقّدة.
في المقابل، تبدو القراءة الكردية أكثر تشاؤماً؛ إذ يرى خبراء أن الخلافات تجاوزت حدود منصب رئاسة الجمهورية، وأصبحت مرتبطة بصراع أوسع على النفوذ داخل الإقليم وانعكاساته على بغداد.
وفي هذا السياق، قال الباحث الكردي محمد فاتح إن "الكتل الكردية، وخاصة الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي، لم ولن تتفق على منصب رئيس الجمهورية في ظل حالة التشتت الحالية داخل البيت الكردي".
وأضاف فاتح لـ"إرم نيوز" أن "الحل يكمن بالالتزام الصارم بالمدد الدستورية دون مراعاة مصالح الأحزاب، مع إمكانية تدخل قانوني لحسم الملف دستورياً في حال استمرار الانسداد"، معتبراً أن "ترك الملف رهينة للتفاهمات السياسية الضيقة سيؤدي إلى مزيد من التعطيل".
ويؤكد الحزب الديمقراطي الكردستاني أن باب التفاهم لم يُغلق بعد، مع استمرار الاتصالات السياسية داخلياً ومع بقية القوى في بغداد.
بدوره، قال المتحدث باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني في بغداد، مهدي الفيلي إن "المرشحين ما زالوا أنفسهم دون تغيير، ولا يوجد حتى الآن قرار نهائي بشأن سحب أو استبدال أي اسم".
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "احتمالية الحسم لا تزال قائمة بنسبة قد تصل إلى 80 أو 90 %، إلا أن الانقسامات ما زالت حاضرة، والمشهد لا يزال ضبابياً بسبب غياب التفاهمات النهائية"، محذراً من أن استمرار الخلافات قد يؤدي إلى تعطيل التوقيتات الدستورية وتأخير انتخاب رئيس الجمهورية".
ووفق نواب في البرلمان، فإن الخلاف القائم لم يعد مقتصراً على تنافس الحزبين الكرديين حول منصب رئاسة الجمهورية، بل اتخذ بعداً مزدوجاً يرتبط مباشرة بمسار تشكيل الحكومة المقبلة.
ويشير النواب إلى أن انتخاب رئيس للجمهورية سيقود فوراً إلى تكليف مرشح الإطار التنسيقي نوري المالكي بتشكيل الحكومة الجديدة، وهو ما يثير قلق قوى سياسية تترقب ردود فعل دولية محتملة إزاء هذا المسار.
وبحسب هذه التقديرات، فإن بعض الأطراف تأمل صدور فيتو دولي أو إشارة أمريكية قد تعرقل عملية التكليف؛ ما يجعل حسم منصب رئاسة الجمهورية خطوة تتجاوز بعدها السياسي، إلى كونها مفتاحاً مباشراً لإطلاق مسار حكومي محفوف بحسابات داخلية وخارجية معقدة.