يتكرر في الكواليس الدبلوماسية الغربية تعبير غير رسمي لوصف مجموعة من السياسيين الإيرانيين الذين يُنظر إليهم باعتبارهم أكثر انفتاحاً على الغرب، وهو "خلية نيويورك".
المصطلح ليس توصيفاً رسمياً، بل جاء أساساً من الخطاب السياسي للتيار المحافظ في إيران، الذي يستخدمه أحياناً بصيغة اتهامية للإشارة إلى مجموعة من الدبلوماسيين والمسؤولين الذين أمضوا سنوات طويلة في الولايات المتحدة، وخصوصاً في الأمم المتحدة في نيويورك، وبنوا علاقات واسعة مع الدبلوماسيين والباحثين الغربيين.
ويُقصد بهذا المصطلح عادة ثلاث شخصيات رئيسية في بنية النظام الإيراني، وهم الرئيس مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، ووزير الخارجية الحالي عباس عراقجي.
لكن السؤال الذي يشغل عدداً من مراكز الدراسات الغربية اليوم هو ما إذا كانت هذه المجموعة تمثل بوابة محتملة لتغيير سياسي داخل النظام الإيراني، أم أنها مجرد تيار دبلوماسي محدود التأثير في نظام تهيمن عليه المؤسسات الأمنية والعسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري.
ما الذي تعنيه "خلية نيويورك" داخل النظام الإيراني؟
ظهر هذا المصطلح في الخطاب المحافظ الإيراني خلال سنوات المفاوضات النووية، عندما كان فريق من الدبلوماسيين الإيرانيين يقود محادثات مكثفة مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
وخلال تلك المرحلة تشكلت شبكة دبلوماسية ضيقة من المفاوضين والخبراء في وزارة الخارجية الإيرانية، معظمهم درس أو عمل في الغرب، وخصوصاً في الولايات المتحدة أو أوروبا، وكان لهم احتكاك مباشر بمراكز التفكير الغربية والمؤسسات الدولية.
وتشير تقديرات مراكز أبحاث مثل المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ومعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إلى أن هذا التيار داخل النظام الإيراني يتبنى مقاربة مختلفة لإدارة العلاقة مع الغرب، تقوم على البراغماتية الاقتصادية والاعتماد على التفاوض لتخفيف العقوبات الدولية.
وبعد انتخاب مسعود بزشكيان رئيساً لإيران عام 2024، عاد هذا التيار إلى الواجهة، خصوصاً مع عودة شخصيات دبلوماسية لعبت أدواراً رئيسية في مفاوضات الاتفاق النووي.
محمد جواد ظريف.. الدبلوماسي الذي نشأ في الجامعات الأمريكية
يُعد محمد جواد ظريف الشخصية الأكثر ارتباطاً بالولايات المتحدة داخل هذه المجموعة، حتى إن بعض المحافظين الإيرانيين وصفوه بأنه نتاج مباشر للجامعات الأمريكية.
غادر ظريف إيران إلى الولايات المتحدة وهو في سن السابعة عشرة بعد الثورة الإيرانية، حيث درس في مدرسة ثانوية في سان فرانسيسكو قبل أن يلتحق بجامعة سان فرانسيسكو الحكومية، التي حصل منها على البكالوريوس والماجستير في العلاقات الدولية.
لاحقاً، أكمل دراسته في جامعة دنفر - مدرسة جوزيف كوربل للدراسات الدولية، حيث حصل على درجة الدكتوراه في القانون الدولي عام 1988.
هذه الجامعة تُعد واحدة من أهم المدارس الأمريكية التي تخرّج دبلوماسيين وخبراء في السياسة الخارجية، وقد درس ظريف على يد عدد من الباحثين المعروفين في العلاقات الدولية.
وخلال عمله مندوباً دائماً لإيران لدى الأمم المتحدة بين عامي 2002 و2007، بنى ظريف شبكة واسعة من العلاقات مع دبلوماسيين أمريكيين وباحثين في مراكز التفكير في واشنطن، الأمر الذي جعله أحد أكثر المسؤولين الإيرانيين معرفة بآليات صنع القرار في الولايات المتحدة.
عباس عراقجي.. المفاوض الذي جمع بين الحرس الثوري والجامعات الغربية
يمثل عباس عراقجي الامتداد التقني والدبلوماسي لنفس المدرسة التي ينتمي إليها ظريف، لكنه يختلف عنه في الخلفية الشخصية.
فقد شارك عراقجي في الحرب العراقية الإيرانية ضمن صفوف الحرس الثوري قبل أن ينتقل إلى العمل الدبلوماسي.
لاحقاً، حصل على درجة الدكتوراه في الفكر السياسي من جامعة كِنت البريطانية، وكانت أطروحته تدور حول العلاقة بين السيادة الدينية في الفكر الإسلامي ومفهوم السيادة الشعبية في الديمقراطية الغربية.
هذا المزج بين الخلفية الأمنية والدراسة الأكاديمية في الغرب جعله أحد أبرز مهندسي المفاوضات النووية مع القوى الغربية، حيث لعب دوراً رئيسياً في صياغة الاتفاق النووي عام 2015.
كما ألّف كتاباً بعنوان "قوة التفاوض" شرح فيه فلسفة التفاوض الإيرانية التي تشبه - بحسب وصفه - أسلوب المساومة في البازار، القائم على الصبر والمناورة وإيجاد مخرج يحفظ ماء وجه الخصم.
مسعود بزشكيان.. طبيب القلب القادم من الجامعة
على عكس ظريف وعراقجي، لا ينتمي الرئيس مسعود بزشكيان إلى السلك الدبلوماسي، بل هو طبيب قلب وأستاذ جامعي.
عمل بزشكيان أستاذاً في جامعة تبريز للعلوم الطبية، وشارك طبيباً ميدانياً في الحرب العراقية الإيرانية.
لكن حضوره السياسي يرتبط بالتيار الإصلاحي في إيران، وقد تولى في السابق منصب وزير الصحة في حكومة الرئيس محمد خاتمي.
ومع وصوله إلى الرئاسة، اختار بزشكيان إعادة بعض الشخصيات الدبلوماسية المرتبطة بمرحلة المفاوضات النووية إلى دائرة القرار، وعلى رأسهم محمد جواد ظريف وعباس عراقجي، في إشارة إلى رغبته في إعادة تفعيل المسار الدبلوماسي مع الغرب.
هل تراهن واشنطن على هذا التيار؟
تختلف تقديرات مراكز الأبحاث الغربية حول هذا السؤال.
فبعض المؤسسات البحثية مثل معهد كوينسي للحكم المسؤول ترى أن وجود شخصيات براغماتية داخل النظام الإيراني قد يفتح الباب أمام إعادة إطلاق المفاوضات النووية وتخفيف التوتر مع الغرب.
لكن مؤسسات أخرى مثل مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات تعتقد أن الرهان على شخصيات معتدلة داخل النظام الإيراني غالباً ما يكون مبالغاً فيه، لأن بنية النظام نفسها تجعل من الصعب حدوث تغيير جوهري في سياساته الاستراتيجية.
في هذا السياق، يشير الباحث السياسي السوري أنس جودة، في قراءة قريبة من هذه التقديرات إلى أن ما يسمى "خلية نيويورك" لا يمثل تياراً قادراً على تغيير النظام من الداخل بقدر ما يمثل أداة لإدارة العلاقة مع الغرب.
ويرى جودة في تعليق لإرم نيوز، أن هذه الشخصيات يمكن أن تلعب دوراً في تخفيف الضغوط الدولية وإعادة فتح قنوات التفاوض، لكنها تعمل ضمن منظومة سياسية تهيمن عليها مؤسسات أمنية وعسكرية قوية.
الحرس الثوري.. السقف الحقيقي للسلطة
العقبة الأساسية أمام صعود هذا التيار إلى قمة السلطة في إيران تتمثل في النفوذ الواسع للحرس الثوري.
فالحرس الثوري لا يُعد مجرد مؤسسة عسكرية، بل يشكل قوة سياسية واقتصادية كبرى داخل الدولة الإيرانية.
وتشير دراسات صادرة عن المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) في لندن إلى أن الرئيس الإيراني، مهما كانت توجهاته، يبقى في النهاية مقيداً بميزان القوى داخل النظام، حيث يحتفظ المرشد الأعلى والحرس الثوري بالسلطة الفعلية في القضايا الاستراتيجية.
وفي هذا السياق يرى أنس جودة أن صعود شخصيات من نمط ظريف أو عراقجي إلى قمة السلطة التنفيذية لا يعني بالضرورة تغييراً في سياسات إيران الإقليمية أو العسكرية، لأن هذه الملفات تبقى في يد المؤسسات الأمنية.
تغيير من الداخل أم مجرد واجهة دبلوماسية؟
في المحصلة، لا تبدو "خلية نيويورك" تنظيماً سياسياً بالمعنى التقليدي، بل شبكة من الدبلوماسيين والتكنوقراط الذين تشكل وعيهم السياسي في الجامعات الغربية وفي المؤسسات الدولية.
ويمثل هؤلاء تياراً براغماتياً داخل النظام الإيراني يرى أن بقاء الدولة الإيرانية يتطلب إدارة الصراع مع الغرب عبر الدبلوماسية والتفاوض، وليس فقط عبر المواجهة.
لكن قدرتهم على الوصول إلى السلطة الحقيقية تبقى محدودة في نظام سياسي تتقاسم فيه السلطة مؤسسات متعددة، وعلى رأسها المرشد الأعلى والحرس الثوري.
ولهذا السبب، يرى خبراء الشأن الإيراني ومنهم جودة، أن هذه المجموعة قد تكون قادرة على تغيير أسلوب إدارة السياسة الخارجية الإيرانية، لكنها لا تمثل بالضرورة بوابة لتغيير النظام الإيراني من الداخل.