يفتح اجتماع واشنطن المقرر في الـ19 من فبراير/شباط بابًا واسعًا للتساؤلات بشأن مستقبل قطاع غزة، في ظل توجه الإدارة الأمريكية لإطلاق إطار دولي جديد تحت مسمّى "مجلس السلام"، على أن تكون غزة أولى ساحات عمله.
ويأتي هذا الاجتماع كاختبار حاسم لقدرة الأطراف على ترجمة المواقف المعلنة إلى خطوات عملية، سواء فيما يتعلق بوقف الحرب، أو بتمويل إعادة الإعمار، وترتيب مستقبل الوضع الفلسطيني، في ظل حديث عن انتقال متعثر إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
يرى المحلل السياسي أيمن الرقب أن "مجلس السلام" يفترض أن يمتلك أدوات تنفيذية حقيقية لقراراته، وأن يترجمها إلى خطوات عملية تفضي إلى وقف كامل للحرب، وتأمين التمويل اللازم لإعادة الإعمار والتعافي في قطاع غزة، بالتوازي مع بلورة ترتيبات واضحة بشأن مستقبل الوضع الفلسطيني.
ويقول الرقب لـ"إرم نيوز": "حتى الآن، لا تتضمن خطة ترامب مشروعًا سياسيًّا واضحًا، وكذلك الأمر بالنسبة إلى خطة جاريد كوشنر، التي تركز بالأساس على الجانب الاقتصادي، وتتحدث عن إنعاش غزة اقتصاديًّا، دون منح الفلسطينيين حقوقًا سياسية".
ويشير إلى أنه من المؤمل أن يكون المؤتمر فرصة لبحث قضية إعادة إعمار غزة، بالتزامن مع المطالب العربية بأن يتبنى المجلس مشروعًا سياسيًّا متكاملًا يقوم على حل الدولتين.
ويشدد الرقب على أن الولايات المتحدة هي الطرف القادر فعليًّا على إلزام إسرائيل بتعهداتها، معتبرًا أن ذلك سيجعل المجلس أمام اختبار إيجاد آلية لتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، في ظل عدم وجود هامش لدى الطرف الفلسطيني للرفض أو البحث عن خيارات بديلة.
ويضيف أن "الدول المشاركة تدرك ما يجري في غزة، لذلك يُنظر إلى هذا اللقاء على أنه مهم، ومخرجاته قد تكون مفصلية إذا قادت فعلًا إلى وقف كامل للحرب، خاصة مع حديث ترامب عن إمكانية نشر قوات دولية في غزة".
وبخصوص ملف الإعمار، قال إن "الدول المعنية تميل إلى طرحه عبر مشاريع محددة، لا من خلال ضخ أموال فورية، إذ لا يمكن تحقيق الإعمار دون أفق للتهدئة والاستقرار والانسحاب، كما يرتبط ذلك أيضًا بملف السلاح. ومع ذلك، إذا صدر قرار واضح عن المجلس، فمن المفترض أن يُصار إلى تنفيذه ومعالجته ضمن مراحل متدرجة".
ويعتقد المحلل السياسي حسين الديك، أن "مجلس السلام" من حيث الجوهر، لا يمتلك أدوات تنفيذية ملزمة من الناحية القانونية أو السياسية بالمعنى التقليدي، كما هي الحال في مجلس الأمن الدولي الذي يستطيع فرض عقوبات استنادًا إلى ميثاق الأمم المتحدة.
ويقول الديك لـ"إرم نيوز": "لكن المجلس قد يمتلك، من الناحية العملية، أدوات تأثير غير مباشرة، أبرزها النفوذ السياسي والاقتصادي للدول المنخرطة فيه، مثل الولايات المتحدة وقطر، وهي دول تمتلك تأثيرًا في أطراف الصراع، سواء على حركة حماس أو على إسرائيل".
ويضيف أن "آليات التمويل وإعادة الإعمار يمكن أن تتحول إلى أداة ضغط أساسية لتنفيذ قرارات مجلس السلام خاصة أن قطاع غزة يحتاج بشكل ملحّ إلى الإعمار، وهو ما يشكّل أولوية للمواطنين وللفصائل على حد سواء".
ويشير إلى أن من يمتلك مفاتيح التمويل وإدارة عملية الإعمار، يمتلك عمليًّا قدرة التأثير في القرار وبذلك تستطيع الولايات المتحدة والمجلس ممارسة الضغط على جميع الأطراف عبر ربط التمويل وإعادة الإعمار بشروط سياسية.
ويقول إن "اجتماع واشنطن المقرر في الـ19 من فبراير/شباط الجاري يمكن اعتباره اختبارًا حقيقيًّا ومحرجًا لمصداقية المجتمع الدولي في ما يعلنه من مواقف بشأن إنهاء المعاناة الإنسانية في قطاع غزة".
كما يشير إلى أن الاجتماع يحمل أبعادًا عدة، أولها البعد السياسي، وفي هذا الصدد يقول إنه "لا يمكن النظر إليه كمجرد لقاء دبلوماسي تقليدي، بل كاستحقاق مفصلي يتعلق بمستقبل قطاع غزة، وبمدى جدية المجتمع الدولي في تحويل التصريحات والمواقف السياسية إلى خطوات عملية على الأرض".
ويضيف أن "البعد الثاني يتمثل في أن الاجتماع سيقيس مدى استعداد الدول لتجاوز حساباتها السياسية وانحيازاتها، واتخاذ موقف عملي يسهم في تخفيف الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، استنادًا إلى ما ستقدمه فعليًّا على صعيد الدعم والتمويل".
أما فيما يرتبط بالبعد الإنساني لهذا الاجتماع، فيقول الديك إن "سكان غزة بحاجة إلى إجراءات عاجلة وخطوات عملية على الأرض تخفف معاناتهم وتنهيها"، مشيرًا إلى أن فشل الاجتماع في تقديم آلية تمويل حقيقية أو خطة واضحة لرفع الحصار سيجعل شعاراته فارغة المضمون.
ويشدد على أن نتائج هذا الاجتماع ستكون لها انعكاسات واقعية وواضحة على مستقبل قطاع غزة، إما استمرار المعاناة الإنسانية، وإما الاقتراب من إنهاء هذه المأساة التي استمرت لأكثر من عامين والوصول إلى برّ الأمان.
وبحسب الباحثة والمحللة السياسية سنية الحسيني، فإنه ليس هناك ضمان بأن يستطيع المجلس فرض حلول عملية لتجاوز القضايا الكبرى المتعلقة بالحرب في قطاع غزة، وأولها ملف إعادة الإعمار.
وتقول الحسيني لـ"إرم نيوز": "ذلك يتطلب أولاً الاتفاق مع حركة حماس في غزة حول دورها المستقبلي وسلاحها، كما يتطلب انسحابًا إسرائيليًّا كاملًا من غزة، وهي من الشروط الرئيسية لنجاح أي خطة تنفيذية للإعمار مرتبطة بالمجلس".
وتشير إلى أن المجلس لم يضع خطة ملموسة يمكن تنفيذها على الأرض، يترتب عليها بدء جمع الأموال المتعلقة بالإعمار، مضيفة: "لا يوجد بعدُ اتفاق بين الأطراف الرئيسية للأزمة وعلى رأسها الفلسطينيون، وإسرائيل، والدول العربية، أو الوسطاء".
وتقول الحسيني: "هناك عقبات رئيسية أخرى تواجه عمل هذا المجلس، في تحقيق دوره الأمريكي المنشود يتمثل في تردد عدد من الدول ذات الثقل السياسي في المشاركة في هذا المجلس، على رأسها دول أوروبية وازنة، كفرنسا، وكذلك إيطاليا، خشية تجاوز الأمم المتحدة".
وتضيف: "هناك شكوك كبيرة في قدرة المجلس على فرض حلول عملية خلال اجتماع فبراير، رغم أنه يُفترض نظريًّا أن يمتلك أدوات تنفيذية لفرض قراراته. ووفق القرار الأممي رقم 2803، الذي أيد إنشاء مجلس السلام لدعم خطة وقف الحرب في غزة، اعتُبر المجلس مخوّلًا بدعم إعادة الإعمار والإدارة الانتقالية في القطاع حتى العام 2027".
وأوضحت أن القرار يسمح بنشر قوة دولية مؤقتة، ذات مهمة لحفظ السلام والمساعدة على الأمن والانسحاب الأمني وفق خطة السلام، مضيفة: "هذا يعني أن للمجلس سلطة إشرافية ورقابية وتنفيذية على إجراءات مهمة، مثل: تنسيق الإدارة المدنية المؤقتة، وتحريك القوة الدولية، وهي أدوات تنفيذية فعلية".
وتشدد على أن التساؤل الأهم هو إلى أي مدى يمكن تفعيل عمل هذه الأدوات التنفيذية، في ظل موقف إسرائيل الذي يعكس نية السيطرة المستقبلية على القطاع، ومخططات أخرى، لم تخفها إسرائيل قبل أكثر من عامين، مع بداية الحرب.
وتعتقد الحسيني أن الاجتماع سيعكس اختبارًا لقدرة ترامب على تحقيق حل سلمي في غزة، وليس مجرد إدارة للصراع، لتحقيق أهدافه الخاصة.