logo
العالم

دبلوماسية تحت السيف.. واشنطن تؤجّل حسم حرب أوكرانيا عبر المفاوضات

جانب من المفاوضات الروسية الأوكرانية الأخيرة في العاصمة ا...المصدر: رويترز

لم تُسفر الجولة الثانية من المحادثات الثلاثية بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا، التي عُقدت في أبوظبي قبل أيام، عن أي اختراق حقيقي باتجاه إنهاء الحرب، هو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة الدور الأمريكي في هذه المفاوضات، وحدود الهدف منها، خاصة في ظل استمرار العمليات العسكرية بالتوازي مع المسار الدبلوماسي.

وكشفت المؤشرات الراهنة أن واشنطن باتت تتعامل مع المفاوضات بوصفها امتدادًا لاستراتيجية العقوبات، لا بديلًا عنها، خاصة وأن الإدارة الأمريكية ربطت بشكل مباشر أي عقوبات جديدة على موسكو بنتائج المحادثات، وهو ما يعني أن الضغوط الاقتصادية أصبحت أداة تفاوضية مرنة، قابلة للتشديد أو التجميد وفق سلوك روسيا على طاولة الحوار.

ورغم إعداد الولايات المتحدة حزم عقوبات إضافية ضد روسيا، فإن غياب أي خطوات تنفيذية فعلية يشير إلى تعمد الاحتفاظ بهذه الإجراءات كورقة مساومة مستقبلية.

في المقابل، يبرز تباين واضح مع الموقف الأوروبي، حيث تميل بروكسل إلى تكثيف العقوبات باعتبارها رافعة طويلة الأمد لإضعاف الاقتصاد الروسي ودفعه إلى تنازلات جوهرية. 

على الجانب الروسي، تواصل موسكو الجمع بين خطاب الانفتاح السياسي والتصعيد العسكري، إذ أعلنت استعدادها للتسوية بالتوازي مع تنفيذ ضربات واسعة على البنية التحتية الأوكرانية، ما قوّض محاولات واشنطن تسويق هدنة طاقوية كإجراء لبناء الثقة.

وفي الجانب الآخر، ترى كييف أن استمرار هذا النهج يحوّل المفاوضات إلى غطاء يسمح لروسيا بإدارة الحرب بدل إنهائها، محذرة من أن ربط العقوبات بالحوار دون نتائج ملموسة يفرغ العملية السياسية من مضمونها.

ويرى الخبراء أن الولايات المتحدة لا تتعامل مع المفاوضات ومحادثات السلام بوصفها مساراً مستقلاً لإنهاء الحروب، بل كأداة ضمن منظومة أوسع لإدارة العقوبات والضغوط الاقتصادية، حيث يُستخدم الحوار في كثير من الأحيان لتأجيل الحسم أو إعادة ترتيب أدوات الضغط.

وأضاف الخبراء في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن واشنطن توظف المسارات التفاوضية لاختبار مدى مرونة الخصوم، فإذا أبدوا استعدادًا للتفاوض جرى استثمار ذلك سياسيًا لتوسيع العقوبات أو إعادة هيكلتها، وليس لتخفيفها بالضرورة، في محاولة لإبقاء الضغط قائمًا بأشكال مختلفة. 

ولفت الخبراء إلى أن الجمع بين التفاوض والعقوبات يحول الحوار إلى غطاء لإطالة أمد الصراع وإدارة الاستنزاف، لا إلى أداة حقيقية لإنهاء الحرب، خاصة في النزاعات المعقدة التي تتداخل فيها الأبعاد الدولية مع جذور تاريخية وداخلية يصعب تجاوزها بتسويات مرحلية.

في البداية، يرى محمد عثمان، خبير العلاقات الدولية، أن الولايات المتحدة لا تتعامل مع المفاوضات بوصفها مساراً مستقلاً لإنهاء الحروب، بقدر ما تنظر إليها كأداة مكملة لمنظومة العقوبات الاقتصادية، تُستخدم لإدارة توقيت الضغوط أو إعادة توجيهها، وليس لتخفيفها بالضرورة. 

وكشف في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن العقوبات الأمريكية تمثل أحد أعمدة ما يُعرف بالقوة الخشنة، حيث جرى توظيفها تاريخيًا لفرض وقائع سياسية واقتصادية تخدم المصالح الأمريكية، مستفيدة من موقع واشنطن المركزي داخل النظام الاقتصادي العالمي.

وأشار عثمان إلى أن الطبيعة المعولمة للاقتصاد الدولي منحت الولايات المتحدة قدرة استثنائية على توظيف العقوبات والقيود التجارية، سواء عبر التحكم في حركة التمويل أو عبر أدوات مثل التعريفات الجمركية والعزل المصرفي. 

وأكد خبير العلاقات الدولية، أن واشنطن باتت تستخدم المفاوضات كمساحة اختبار لمدى صلابة الخصم، فإذا أبدى مرونة جرى استثمار الحوار لتوسيع نطاق العقوبات أو إعادة هيكلتها وليس لتقديم تنازلات مقابلة. 

وأضاف أن هذا النهج يعكس إدراكاً أمريكياً بأن العقوبات لم تعد كافية بمفردها لتحقيق أهداف كبرى، لكنها لا تزال أداة ضغط فعالة إذا جرى دمجها مع مسارات تفاوضية مفتوحة شكليًا.

ولفت محمد عثمان إلى أن توسع تكتلات مثل بريكس، ومحاولات دول الجنوب تقليل الاعتماد على الدولار، وإنشاء قنوات مالية بديلة، قلص من التأثير المباشر للعقوبات دون أن يلغيها.

من جانبه، كشف رامي القليوبي، أستاذ الاستشراق بالمدرسة العليا للاقتصاد في موسكو، أن الطريقة التي تعامل بها دونالد ترامب مع الحرب الروسية الأوكرانية تكشف بوضوح عن توظيف المفاوضات كأداة ضغط اقتصادي لا كمسار جاد لتسوية النزاع.

وأشار في تصريح لـ"إرم نيوز" إلى أن ترامب تعامل مع الأزمة بعقلية رجل الأعمال، معتبرًا أن الحوار يمكن استخدامه لإعادة ضبط ميزان العقوبات، وليس لإنهاء الحرب في حد ذاتها.

وتابع القليوبي، أن ترامب اعتمد منذ البداية سياسة تقوم على التلويح بالحوافز بالتوازي مع التهديد بالعقوبات، في محاولة لدفع الأطراف إلى تقديم تنازلات محسوبة. 

وأضاف أن حديث ترامب المبكر عن استعداد روسيا للسلام لم يكن سوى إشارة إلى إمكانية تخفيف العزلة الدولية عن موسكو، وهو ما ترافق حينها مع خطوات رمزية عكست انفتاحاً محدوداً في المشهد الدبلوماسي.

وبحسب القليوبي، هذا المسار سرعان ما انقلب عندما ظهرت مؤشرات على مرونة روسية نسبية في المفاوضات، خاصة إذ جرى استبدال منطق الحوافز بتشديد العقوبات، خاصة على قطاع الطاقة. 

وقال إن واشنطن استخدمت الحوار في هذه المرحلة لتبرير توسيع الضغوط الاقتصادية، وليس لتقليصها، في رسالة مفادها أن أي مرونة تفاوضية لا تُكافأ بالضرورة.

ويرى القليوبي أن هذه المقاربة تختزل نزاعاً معقداً في معادلة ربح وخسارة، متجاهلة الأبعاد التاريخية والداخلية للصراع، الذي لا يقتصر على مواجهة بين دولتين، بل يحمل سمات نزاع ممتد تشكل في أعقاب تفكك الاتحاد السوفيتي.  

أخبار ذات علاقة

قوات روسية

روسيا تعلن السيطرة على بلدتين في مقاطعتي سومي وخاركيف

وكشف القليوبي، أن استخدام واشنطن للمفاوضات كغطاء لإعادة هندسة العقوبات يعكس غياب رؤية حقيقية لإنهاء الحرب، ويُبقي النزاع مفتوحاً على سيناريوهات طويلة الأمد من عدم الاستقرار.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC