تخشى أركان النظام في طهران من مرحلة "الانتظار القاتل" التي تستنزف، مع مرور الوقت، القدرات العسكرية الإيرانية، في ظل الحضور الأمريكي الكثيف عبر القوات البحرية والمعدات الجوية والطائرات المنتشرة في المنطقة، بما قد يفضي في النهاية إلى ضربة مفاجئة.
وتدقق السلطات الإيرانية جيدا بخصوص هذه المخاوف، في دفتر حرب "الـ12 يوما" وما جرى في يونيو الماضي، عندما تحول التهديد باستهداف الداخل إلى عملية تفاوض خلطت الأوراق وأبعدت شبح الحرب، ثم كانت الضربات المدمرة، التي دمرت الجانب الأكبر من البرنامج النووي.
وعلى الرغم من أن طهران تخشى نموذج الانتظار الطويل الذي قد يقود إلى الضربة المفاجئة، لكنها من ناحية أخرى، ترى في عامل الوقت، ما قد يدعم جاهزيتها بتطوير منظومتها الصاروخية أو نقل اليورانيوم المخصب إلى أماكن أخرى أكثر أمانا بعيدا عن أعين الموساد الإسرائيلي.
وقد يحمل أيضا عامل الوقت الطويل، وفقا لخبراء في العلاقات الدولية، ابتعاد شبح الحرب في انتظار متغيرات قد تطرأ بالداخل الأمريكي تشغل الرئيس الجمهوري دونالد ترامب عن خطته بشأن إيران مع انتخابات الكونغرس المنتظرة التي قد تهدد بقية ولايته.
ولكن في الوقت ذاته، أكد خبراء لـ"إرم نيوز"، أن الوقت الطويل الذي تتخذه الولايات المتحدة وتسخر التفاوض صورة له، حتى تصل إلى الضربة المفاجئة، تعمل فيه واشنطن على مسارات زيادة التفكك الداخلي لدعم الضربة، وأيضا تأمين إسرائيل من أي رد إيراني.
يأتي ذلك في الوقت الذي قال فيه رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، اللواء عبد الرحيم موسوي، إن بلاده تمتلك الجاهزية اللازمة لخوض حرب طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، مؤكدًا أن "طهران لا ترغب فعليًا في بدء حرب إقليمية".
وشدد موسوي خلال لقاء مع قادة وضباط بالجيش الإيراني، بمناسبة يوم القوة الجوية، على أن إيران اليوم دولة مقتدرة ومسؤولة، تمتلك الاستعداد الكامل للمواجهة العسكرية الطويلة، وفي الوقت نفسه ترحب بأي مسار تفاوضي منطقي وخالٍ من الشروط غير الواقعية.
ويقول المختص في الشأن الإيراني، الدكتور طاهر أبو نضال، إن العلاقة على مدار 4 عقود بين واشنطن وطهران، تجعل النظام الإيراني لا يملك الثقة في واشنطن ويخشى من الضربة المفاجئة بعد الانتظار، وسط مفاوضات معلوم نهايتها، بأنها ستأتي بضربة قوية لهذا الحكم.
وأضاف أبو نضال لـ"إرم نيوز"، أن ما بين مفاوضات مترددة دامت أكثر من عقد من الزمان حتى الآن، ثبت أن الولايات المتحدة والدول الغربية يعملون على إضعاف النظام الإيراني اقتصاديا ومحاصرته بالشكل الحالي وهذا استعداد لـ"الضربة القاضية".
وتابع أن الحصار على النظام الإيراني بات أكثر حدة في ظل الضربة المتوقعة؛ مما غير مسار الصادرات النفطية والتجارية بين طهران وحلفائها وحتى مع المفاوضات الأخيرة، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على كيانات وشخصيات، مما يعكس الاستمرار في إحكام الخنق.
ويرى أبو نضال أن الوقت الطويل الذي تتخذه الولايات المتحدة وتسخر التفاوض صورة له، حتى تصل إلى الضربة المفاجئة، تعمل فيه واشنطن على مسارات زيادة التفكك الداخلي واستهداف تحرك المكونات والأقليات ضد النظام، حتى يكون تأثير العملية العسكرية حاضر بشكل أكبر بفعل الداخل.
وأردف: "هذا الانتظار استراتيجي حتى تقف طهران حائرة حول الضربة من عدمها ومن أين ستأتي وكيف ستكون؟!"، الأمر الذي يأتي من جهة أخرى بانقسامات داخل سلطات النظام التي تتناحر في الأساس في ظل صراعات داخل الأجنحة ذاتها.
وأكد أبو نضال أن السبب في الانتظار الأمريكي الطويل بالوقت الحالي لتوجيه الضربة، إتمام أكبر عملية تحصين لإسرائيل والقيام بكل سبل التأمين الدفاعي واتخاذ أعلى الاستعدادات التي تمنع أي محاولة رد إيراني عند توجيه الضربة، باستهداف تل أبيب.
وأشار إلى أن هذا الانتظار الطويل أيضا تعمل من خلاله إدارة ترامب على بحث البديل للحكم ونسبة الاعتماد على مكونات جديدة بعد استهداف نظام المرشد الذي ترى الإدارات الأمريكية مع اختلافها من جمهوريين إلى ديمقراطيين، أن الأمل مفقود في هذه السلطة المتجمدة.
واستطرد بالقول إن الخوف يزداد أكبر أمام النظام لأن أذرعه التي كانت تسنده وتجعل استهدافه فاتورة مرتفعة باتت شبه مشلولة، فضلا عن أن الحلفاء لا سيما الصين وروسيا لا يقدمون سوى التصريحات "الرنانة" بالإضافة إلى التحول الأخير للهند.
واعتبر أبو نضال المحادثات بأنها لا تتجاوز "هدوء ما قبل العاصفة" في وقت يرتفع في الداخل أصوات بعض من هم محسوبون على النظام بسبب سياسة الضغط التي تفرط السلطة وتضع المسؤولين في حيرة.
بدوره، يؤكد الباحث في العلاقات الدولية، أحمد العلوي، أن ما جرى في حرب الـ12 يوما يحمل جانبا كبيرا من الخوف وتكرار المفاجئة بالضربة وذلك عندما كان ترامب يتحدث عن مباحثات والذهاب إلى تفاوض ولقاء الوفدين والتوصل إلى اتفاق ووسط كل هذه المجريات، كانت الضربة للمفاعلات النووية.
ويوضح العلوي في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن الضربة المفاجئة في حرب يونيو 2025، فصل مهم من عدم الثقة بين الجانبين لأنه كانت هناك إجراءات تجهز لعقد مفاوضات وكان آخر توقعات الإيرانيين، الاستهداف بالقنابل الثقيلة التي دمرت جانبا كبيرا من المشروع النووي.
وبين العلوي أن إيران تتعرض حاليا في الداخل على مستوى القيادة لضغوط أكبر من عملية المحادثات، تخوفا من الضربة المفاجئة من جديد، مما يجعلها في حالة طوارئ وتأهب وهذا يحمل ثقلا كبيرا عليها، خاصة أنها تعمل على "لملمة" أي فروع للاحتجاجات، مع ما يفرضه "الانتظار الطويل" من توتر على السلطة.
ولكن في الوقت ذاته، بحسب العلوي، فإن إيران تحتاج هذا المدى الزمني الطويل لسببين، الأول لاستغلاله في تطوير منظومتها الصاروخية أو نقل اليورانيوم المخصب إلى أماكن أخرى متفرقة خشية من أن ينجح الاختراق الذي يجيده الموساد بحرفية في الداخل، من التوصل لمكان هذه المواد المشعة.
أما السبب الثاني بحسب العلوي، فيكمن في رغبة إيران لهذا المدى الزمني، بالخروج من هذا الضغط، أملا في حدث جديد دولي أو داخلي، يشغل ترامب الفترة المقبلة عنها، حتى تكون هناك متغيرات داخل معادلة السياسة الأمريكية بفوز الديمقراطيين بانتخابات الكونغرس، ليهتم بحرب الداخل وتمر السحابة السوداء من سماء طهران.