لا تنظر إيران إلى قدراتها الصاروخية التي حققت فيها طفرات كبيرة، خلال الفترة الأخيرة، ومازالت تسعى في ذلك، على أنها أداة الردع الأولى التي تجعل الخصم يعيد النظر في توجيه ضربة عسكرية لها، حتى لو جاء محاصراً من كافة النواحي، بأقوى الأساطيل البحرية والمقاتلات الجوية.
ولكن ما يهم طهران بأن تعظم من إمكانياتها عبر الصواريخ الباليستية أيضاً، أن تستخدمها "حجر زاوية"، ووسيلة مماطلة تذهب بها إلى أطول وقت على طاولة التفاوض، وأن يكون ملفاً دبلوماسياً ثقيلاً، يظل التلويح به مستمراً، ولكن تصاحبه عبارة "ممنوع الاقتراب أو التصويب".
ما أقدمت عليه طهران في الـ6 أشهر الماضية، بحسب مراقبين، من تطوير برنامجها الصاروخي الباليستي من الحلفاء روسيا والصين وكوريا الشمالية، بعد حرب الـ12 يوماً، وظهور تأثيره في الردع عندما وجهت رشقات إلى إسرائيل، أوقفت واشنطن الحرب على إثرها فوراً، جعل المعادلة تتغير كثيراً.
ووفقاً لمراقبين، تحدثوا لـ"إرم نيوز"، فقد طورت إيران أنواعاً بعينها من الصواريخ الباليستية بدعم من كوريا الشمالية وروسيا بتقنيات حديثة على مستوى المدى ليكون أبعد، والحمولات تصبح أثقل، وسرعات أعلى، مما يطيل آمد أي تفاوض، أملاً في التوصل إلى حل يأتي بتحييد هذه القدرات.
وكانت قد استبقت طهران مفاوضات مسقط مع واشنطن، نشرها أحد أكثر الصواريخ الباليستية بعيدة المدى تطوراً في البلاد، وهو "خرمشهر 4"، في إحدى مدن الصواريخ تحت الأرض التابعة للقوة الجوفضائية بالحرس الثوري.
وبحسب وسائل إعلام إيرانية، يبلغ مدى "خرمشهر 4" حوالي 2000 كيلومتر، وهو قادر على حمل رأس حربي يزن 1500 كيلوغرام، وبحسب تقارير رسمية، يوجد لدى طهران عدة أنواع من الصواريخ بنفس ذات المدى الطويل، بما يجعلها قادرة على الوصول إلى أهداف في إسرائيل.
ويقول الباحث في الشؤون الإقليمية، هلال العبيدي، إنه خلال 47 سنة من هذا الحكم في إيران، كرست السلطة كافة الموارد الاقتصادية والعلمية والتقنية لهذه الدولة الغنية، لصالح فرض معادلات أمنية تخدم النظام سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي.
وبين العبيدي لـ"إرم نيوز"، أنه على الصعيد الخارجي طور النظام باهتمام أنواع بعينها من الصواريخ الباليستية بدعم من كوريا الشمالية وروسيا، ذات المدى البعيد والحمولات الأثقل مع التميز بالسرعات العالية صوب الهدف.
وأردف العبيدي أن هذا الاهتمام جعل هذه المنظومة تهدد دول المنطقة، وتقع ضمن هذا النطاق إسرائيل، لافتاً إلى أنه في حرب الـ12 يوماً، ذهبت طهران بضرب تل أبيب، وعلى الرغم من تكتم الأخيرة على الخسائر فإنها أصيبت في ظل عدم قدرة تحملها هذه التهديدات الأمنية المباشرة لهذه النوعية الصاروخية.
واستطرد أن طهران فرضت معادلة تطوير الصواريخ لتكون بديلاً للنظام في عن فقدانه امتلاك القوة الدفاعية الجوية والطائرات التي تم إقصاؤها، لذلك لا يوجد ما هو بقدر هذا السلاح، لتبقى إيران حاضرة سواء على طاولة المفاوضات أو العمل الدبلوماسي أو غير ذلك.
ولفت العبيدي إلى أن ما تهدد به إيران المنطقة هو الصواريخ في ظل عدم اكتمال القنبلة النووية، ولكن في أيديهم التكنولوجيا، لذلك فإن التفكير دائماً هو إفشال التهديد الصاروخي القائم بيد طهران، حتى تكون هناك قدرة على الأقل في حسم التفاوض من جانب واشنطن.
فيما يؤكد الخبير الإستراتيجي، راغب رمالي، أن النظام الإيراني يضع الصواريخ الباليستية في مقام "الحارس الأمين" الذي سيجعل أي تحالف دولي أو طرف قوي، لاسيما الولايات المتحدة، يعيد النظر ألف مرة في المساس به أو تهديده.
وأضاف رمالي في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن هذه المنظومة بكل تقنياتها وعمليات البناء التي أخذت مرحلة مفصلية بعد حرب الـ12 يوماً من خلال تطويرها واستيراد أحدث التكنولوجيا لها في أكثر من مجال، عبر أكثر من طريقة، باتت "الورقة الثقيلة" التي تستطيع من خلالها إيران الذهاب إلى نقاط عدة طويلة في التفاوض.
ويرى رمالي أن إيران عندما تذهب للتفاوض لا تتعامل مع الحالة بجدية بل من أجل الغاية، وهي خلط الملفات، واتباع ما تبدع فيه جيداً من تحقيق زمن قياسي في المحادثات والمواعيد، وافتعال أزمات وتحريك الأذرع هنا أو هناك، لتتداخل الخطوات، ومن ثم تكون العودة بالمباحثات من جديد إلى نقطة الصفر.
واعتبر رمالي أن القدرات الصاروخية المتطورة ستظل حماية لإيران، لفرض أن يكون مدى التفاوض طويلاً، وعدم اتخاذ واشنطن من جهة أخرى، قراراً حاسماً مع هذا النظام، بتوجيه الضربة، لأن الرد سيكون حاضراً ضد إسرائيل ومصالح الولايات المتحدة المتعددة في المنطقة.
وذكر رمالي أن إيران، خلال الـ6 أشهر الماضية، فتحت دائرة الإنفاق بشكل أكبر لاستيراد مستلزمات بشكل سري، لدعم المنظومة الصاروخية التي كانت الإدارة العملية والحقيقية التي أبقت النظام بعد أن كان هذا السلاح رادعاً، عندما وُجّه إلى إسرائيل.
وأفاد بأن السلاح الصاروخي لن يكون هناك آلية تفاوض واضحة حوله من جانب طهران، وسيظل في دائرة التطوير والعمل على تكوين أكبر مخزون منه وتحديث أدواته، وإدخال نظم تحسين في المدى والاستخدام.
وبحسب رمالي، فإن طهران تدرك جيداً أن ترامب يقارن دائماً تصرفه في الملف الإيراني مع سياسة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن الذي أنهى ولايته دون أن يكون هناك حجم تهديد كبير لأمن إسرائيل أو مصالح الولايات المتحدة في المنطقة من جانب طهران.
واستكمل أن ترامب يقف كثيراً أمام القدرات الصاروخية الإيرانية قبل أي قرار تجاه نظام الملالي، وهو ما يذهب به إلى التفاوض الطويل على الرغم من أنه يدرك جيداً هذه اللعبة من طهران بالمماطلة والرهان على الوقت، ومع ذلك يتماشى، ويحاول فرض الضغوط، لتكون هناك مفاوضات ذات نتيجة من طهران.