تحولت منطقة "الخط الأصفر" الذي تتمركز حوله القوات الإسرائيلية بعد انسحابها من عمق مناطق قطاع غزة، إلى ساحة معركة بين الميليشيات المسلحة التي تنتشر في مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي، والفصائل الفلسطينية المسلحة التي تتعامل معها كتهديد مباشر.
وتحاول هذه الميليشيات التسلل للمناطق الواقعة غرب "الخط الأصفر" بحثًا عن شرعية شعبية، إذ تقدم مساعدات لمراكز إيواء قريبة من هذا الخط، إلا أنها في المقابل تنطلق منه لتنفيذ عمليات خطف وإعدام لعناصر من حركة حماس، تحت أعين الجيش الإسرائيلي.
من جانبها تحاول حركة حماس اتخاذ إجراءات صارمة ضد من تلقي القبض عليهم من عناصر هذه الميليشيات، أملاً في خلق حالة ردع تمنع انضمام المزيد من الفلسطينيين لهذه الميليشيات، من بينها تنفيذ عمليات إعدام علنية في شوارع قطاع غزة.
ويرى المحلل السياسي باسم أبو العطايا أن تصاعد ظاهرة الميليشيات وعمليات الخطف والإعدام في قطاع غزة هو نتيجة مباشرة لفراغ أمني أوسع، في ظل غياب القانون والجهة الضابطة.
ويقول لـ"إرم نيوز" إن "هذه المجموعات تدرك تمامًا أنها تتحرك في بيئة لا تخضع لسلطة رادعة، ما يجعلها تتعامل مع الفصائل باعتبار الأمر تصفية حسابات قديمة وردات فعل متراكمة، خصوصًا أن كثيرًا من أفرادها لديهم ثأر أو مواقف سابقة مع الفصائل أو مع عائلاتهم".
ويضيف أن "ما يجري اليوم يمثل محاولة انتقام مستغلة الظرف القائم، مقابل حصول هذه العناصر على تغطية ودعم من إسرائيل، سواء عبر التسليح أو عبر إطلاق حرية الحركة وأن وجودهم داخل ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" يمنحهم ملاذًا آمنًا ينطلقون منه لتنفيذ عملياتهم ثم العودة إليه، وهم على يقين بأن الفصائل لن تستطيع الوصول إليهم طالما بقوا داخل هذه المنطقة".
ويشير إلى أن "إسرائيل كما اعتادت في تجارب سابقة، تبحث عن أيدٍ عميلة تنفذ الأدوار التي لا تستطيع القيام بها بشكل مباشر، فتستثمر في هذه العناصر لضرب وحدة النسيج الداخلي الفلسطيني، وإنهاك الفصائل، وإشعارها بأنها مطاردة دائمًا".
ويؤكد أن هذا الأسلوب يسمح لإسرائيل بإبعاد نفسها عن المشهد المباشر، وتصدير صورة للعالم مفادها أن ما يجري هو اقتتال داخلي فلسطيني، حتى وإن كان الجميع يدرك طبيعة العلاقة بين هذه الميليشيات وإسرائيل.
ويؤكد أن "استثمار هذه العناصر يأتي أيضًا لتجنب عمليات اعتقال رسمية، إذ تفضل إسرائيل تصفية خصومها ميدانيًا بأيدٍ فلسطينية بدلًا من التعامل معهم كمعتقلين".
وتابع أن "استمرار الخط الفاصل دون رقابة أو سيطرة حقيقية يعني بقاء هذا المسار الدموي مفتوحًا، وأن إسرائيل تواصل استثمارها طالما ظل المستفيد الأول من غياب الاستقرار".
من جانبه، يرى المحلل السياسي عماد عمر أن هذه الميليشيات، كما نصّبها الإسرائيليون، تهدف أساساً إلى ضرب الجبهة الداخلية الفلسطينية، من خلال قيامها بتشكيل تجمعات أكبر، والتوسع أكثر، ومن ثم تنفيذ أعمال تُخلّ بالأمن والنظام داخل الجانب الفلسطيني.
ويقول عمر لـ"إرم نيوز" إن "هذه المجموعات التي تقيم حاليًا في المنطقة التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، أي ما بعد الخط الأصفر، ربما تُكلَّف بعمليات من خلال إسرائيل، وهو ما ظهر مؤخرًا خلال عمليات تصفية لمسؤولين عسكريين في حركة حماس".
ويضيف أن "بعض هذه العمليات ربما تكون مرتبطة بتصفيات من قبل إسرائيل، والجزء الآخر متعلق بتصفيات داخلية أو انتقامية، حيث تعرّض أفراد تلك المجموعات لعمليات تعذيب أو اعتقال قبل حرب 7 أكتوبر، لأن أغلب هؤلاء كانوا معتقلين لدى حركة حماس".
ويشير إلى أن هذه المجموعات تعلم جيدًا أن عودة سيطرة حركة حماس على تلك المناطق قد تعيد ملاحقتهم، وبالتالي يريدون الانتقام، وبسط سيطرتهم في مناطق "الخط الأصفر" والانطلاق منه لتنفيذ عمليات بأجندة مختلفة.
وبحسب المحلل السياسي الفلسطيني فإن "عمر هذه المجموعات قصير، وقد شاهدنا أكثر من نموذج على مستوى دول الجوار، سواء مجموعات أنطوان لحد أو مجموعات أخرى لها علاقة بسوريا أو غيرها كل هذه المجموعات، بمجرد أن ينسحب الجيش الإسرائيلي من تلك المناطق، يصبح مصيرها إما الذهاب باتجاه إسرائيل أو أن تكون عرضة للانتقام الشعبي".
ويشير إلى أن إسرائيل تحاول أن تقول إن تلك المجموعات تسيطر على المنطقة الواقعة ضمن "الخط الأصفر"، وتوكل لهذه المجموعات، على سبيل المثال، الحاجز المُعد ما بين معبر رفح والجانب الإسرائيلي، وأصبح لها دور في تلك المنطقة سواء في تفتيش الفلسطينيين العائدين من مصر إلى غزة، أو من خلال نقلهم إلى الحاجز الإسرائيلي ثم إلى الجانب الفلسطيني.
ويؤكد أن "مسلسل عمليات الخطف والإعدامات من قبل هذه الميليشيات سيستمر، وربما يكون هناك تقدم أو تراجع حسب الظروف الأمنية، لأن هذه العمليات تخضع لمدى يقظة الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة".