دخلت واشنطن هذا الأسبوع إلى صلب المعادلة العراقية عبر مسارين مالي وأمني متصلين، إذ أوقفت شحنة نقدية تُقدّر بنحو 500 مليون دولار كانت بغداد تنتظرها من عائدات النفط المودعة لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، كما جمّدت أجزاءً من التعاون الأمني مع الجيش العراقي، بما في ذلك تبادل المعلومات وبرامج التدريب ومكافحة الإرهاب.
وربطت استمرار هذا التعاون بخطوات عراقية تمس ملف الجماعات المسلحة المدعومة من إيران؛ ما يضع بغداد أمام استحقاق مباشر؛ لأن الإدارة الأمريكية نقلت الملف من مستوى التحذير إلى مستوى الكلفة الفعلية داخل الدولة ومؤسساتها المالية والأمنية.
وقال الباحث في الشؤون السياسية والإستراتيجية العراقية علي أغوان، خلال حديثه لـ"إرم نيوز" إن هذا الضغط يأتي نتيجة تراكم طويل في علاقة العراق بكل من واشنطن وطهران منذ 2003، موضحًا أن الولايات المتحدة احتفظت دائمًا بأدوات ضغط فعالة داخل الملفين الأمني والمالي.
وأضاف أن هذا التعليق يمس جوانب حساسة في العمل الأمني العراقي، ولا سيما ما يتعلق بالدعم الاستخباراتي والاستطلاع العميق وأمن الحدود، وهي ملفات اعتمدت فيها بغداد خلال السنوات الماضية على قدرات أمريكية ودولية يصعب تعويضها سريعًا.

هذا ويحمل توقيت الخطوة الأمريكية ثقله من السياق الإقليمي الذي يتحرك بسرعة منذ أسابيع، فواشنطن مددت وقف النار مع إيران مع استمرار الحصار البحري والضغط السياسي، فيما أعلنت طهران عبر مسؤول كبير أنها تتعامل مع أي تفاوض تحت الضغط على أنه مسار مرفوض، ويمنح هذا المناخ الإقليمي الخطوة الأمريكية وزنًا إضافيًّا؛ لأن واشنطن تدفع بملف العراق إلى صدارة الضغط السياسي والمالي في هذه المرحلة.
في المقابل، يعرف صانع القرار في بغداد أن شحنات الدولار النقدي تمس السوق العراقية في مفاصل يومية مرتبطة بالسفر والعلاج والتجارة والسيولة، ويعرف كذلك أن تجميد التعاون الأمني يمس بنية عمل المؤسسة العسكرية والاستخبارية في مرحلة شديدة الحساسية.
وبحسب ما أفاد مصدر سياسي عراقي لـ"إرم نيوز"، فإن أثر الخطوة لا يقف عند الشحنة النقدية نفسها؛ لأن بغداد قرأت الإجراء كإشارة إلى مرحلة ضغط مفتوح على أكثر من ملف في وقت واحد.
وحول ذلك أوضح الباحث السياسي العراقي أن أثر هذه الورقة يتجاوز الجانب النقدي المباشر؛ لأن أي تباطؤ في إطلاق الأموال ينعكس على الرواتب والإنفاق المحلي وحركة السوق، وهو ما يجعل الضغط المالي سريع الانتقال من مؤسسات الدولة إلى المجتمع نفسه.
لهذا جاءت الرسالة الأمريكية دقيقة في اختيار أدواتها، فهي تضغط على القنوات التي تمنح الحكومة هامش الحركة وتربط هذا الهامش بقدرتها على التعامل مع الفصائل. بهذا الإيقاع ترتفع الكلفة داخل بغداد مع امتداد أثر الملف إلى مؤسسات الدولة والسوق الداخلية.
يحمل هذا الأسبوع معنى إضافيًّا؛ لأن واشنطن كانت دفعت بهذا الاتجاه منذ أشهر، وظهرت ملامح ذلك في تحذير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في كانون الثاني الماضي من عودة نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة، مع ربط مباشر بين شكل السلطة التنفيذية المقبلة وحجم المساندة الأمريكية للعراق.
ذلك التحذير كشف مبكرًا أن واشنطن تعمل على مستويين متصلين، مستوى يضغط على الجماعات المسلحة ذات التبعية الإيرانية، ومستوى يضغط على البيئة السياسية التي تمنحها الغطاء، حيث جاءت الخطوة الحالية لتجمع المسارين في وقت واحد، وتربط ملف السلاح بمسار تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في بغداد.
بينما يحضر البعد اللبناني داخل هذا المسار؛ لأن الضغط على سلاح حزب الله خلال الأشهر الماضية أضاف عنصرًا إقليميًّا مهمًّا إلى المقاربة الأمريكية، ودفع واشنطن إلى التعامل مع العراق ضمن مناخ أوسع يضغط على شبكات النفوذ المسلحة المرتبطة بطهران في أكثر من ساحة.
ويدخل هذا الضغط الأمريكي في لحظة انتقال سياسي حساسة داخل بغداد، بعد تسمية الإطار التنسيقي باسم البدري مرشحًا لرئاسة الحكومة الجديدة، فيما تواصل حكومة تصريف الأعمال إدارة الملفات اليومية ضمن هامش محدود. هذا التوقيت يمنح الرسالة الأمريكية ثقلًا أكبر؛ لأن واشنطن تضغط على بنية القرار العراقي في لحظة إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، وتربط أي انفتاح مالي وأمني بخطوات تمس ملف الجماعات المسلحة وحدود حضورها داخل الدولة.
وبحسب المصدر السياسي العراقي، فإن القوى المنخرطة في تسمية رئيس الحكومة المقبلة باتت تتعامل مع الضغط الأمريكي كعامل حاضر في الحسابات، إلى جانب توازنات الداخل واستحقاقات الإقليم.
فيما تضغط واشنطن في هذه الجولة على القنوات التي تمنح الفصائل هامش الحركة داخل الدولة، وتضغط في الوقت نفسه على مسار تشكيل الحكومة الجديدة؛ لأن الإدارة الأمريكية تربط شكل علاقتها المقبلة مع بغداد بطبيعة القيادة التي ستتولى السلطة وبطريقة إدارتها لهذا الملف.
في حين قال أغوان، إن واشنطن تراهن أيضًا على انتقال أثر هذا الضغط إلى الداخل العراقي، بحيث تدفع كلفة التعطيل المالي والأمني شرائح واسعة إلى ممارسة ضغط سياسي على الحكومة في هذا الملف.
مع ذلك يبقى التنفيذ مرهونًا بقدرة بغداد على بناء مسار داخلي متدرج يفرز الجماعات المسلحة ويقيد قنوات نفوذها، كما أن الإدارة الأمريكية تعرف حجم التشابك بين الفصائل والاقتصاد والسياسة، ولهذا يرجح أن تواصل سياسة الضغط المتراكم، وأن توزع رسائلها بين العقوبات والتمويل والتعاون الأمني وملف تشكيل الحكومة.
ويضع هذا المسار بغداد تحت ضغط متواصل في التمويل والتعاون الأمني ومسار تشكيل الحكومة.