يضع قرار واشنطن تعليق التعاون الأمني والتمويل مع الأجهزة العراقية المشهد في بغداد أمام مرحلة أكثر خطورة، تتجاوز حدود الرد على هجمات الميليشيات المسلحة، لتدخل في سياق إعادة صياغة العلاقة مع العراق، ضمن توازنات متغيرة منذ اندلاع الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران.
الخطوة الأمريكية، جاءت بعد سلسلة هجمات استهدفت السفارة الأمريكية وقواعد عسكرية ومواقع تضم قوات أجنبية داخل العراق، تبنت عدداً منها ميليشيات مسلحة مرتبطة بإيران، ضمن ما يُعرف بـ"محور المقاومة".
هذه الميليشيات، التي تمتلك حضوراً سياسياً وعسكرياً، صعدت عملياتها منذ بداية الحرب في 28 فبراير/ شباط الماضي، عبر استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ، مستهدفة مواقع داخل بغداد وإقليم كردستان.
وبينما كانت هذه الهجمات تتصاعد، اكتفت الحكومة العراقية بإجراءات محدودة، تمثلت في بيانات إدانة أو وعود بالتحقيق، دون خطوات ميدانية حاسمة لاحتواء التصعيد أو تفكيك هذه الشبكات، ما دفع واشنطن إلى الانتقال من مرحلة التحذير إلى تفعيل أدوات ضغط أكثر تأثيراً.
وفي هذا السياق، قال الباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية سيف رعد لـ"إرم نيوز" إن "التحرك الأمريكي الحالي لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الإقليمي للحرب، إذ بدأت واشنطن منذ وقف إطلاق النار بمحاولة إعادة ترتيب ساحات النفوذ المرتبطة بإيران، عبر عزل الأذرع وفصلها عن مركز القرار في طهران"، مبيناً أن "العراق يمثل إحدى أهم هذه الساحات، نظراً لتداخل البعد السياسي والعسكري للفصائل داخل مؤسسات الدولة".
وأضاف رعد أن "الولايات المتحدة انتقلت من سياسة الاحتواء إلى استخدام أدوات مركبة، تشمل العقوبات المالية، والضغط على ملف الدولار، وتعليق التعاون الأمني، بهدف خلق بيئة ضاغطة داخلياً على الحكومة العراقية"، مشيراً إلى أن "هذا المسار يستهدف تفكيك التوازن الذي اعتمد عليه العراق منذ 2003، والقائم على العلاقة المتوازنة بين واشنطن وطهران، حيث لم تعد الإدارة الأمريكية ترى في هذا التوازن صيغة مقبولة".
ويأتي تعليق الدعم الأمني في وقت تعتمد فيه القوات العراقية بشكل كبير على التعاون مع الولايات المتحدة، سواء في مجالات التدريب أو الدعم اللوجستي أو التنسيق الاستخباراتي، خصوصاً في عمليات مكافحة تنظيم “داعش”، ما يجعل هذا القرار ذا تأثير مباشر على القدرات العسكرية، لا سيما في سلاح الجو.
وفي موازاة ذلك، برزت أدوات الضغط المالي كعامل حاسم، بعد تقارير تحدثت عن تجميد نحو نصف مليار دولار من عائدات النفط العراقية في بنوك نيويورك، إلى جانب تعليق شحنات الدولار النقدي، وهي إجراءات ترتبط بالنظام المالي الذي يعتمد عليه العراق في إدارة إيراداته النفطية، ما يضع الاقتصاد أمام تحديات كبيرة في ظل تراجع الواردات نتيجة اضطراب أسواق الطاقة وإغلاق مضيق هرمز.
في المقابل، يرى الباحث في الشأن السياسي عماد محمد أن "ما يجري يتجاوز كونه إجراءً عقابياً، ليصل إلى مستوى إعادة هندسة المشهد السياسي والأمني داخل العراق"، موضحاً أن "الولايات المتحدة تستخدم مزيجاً من الضغط الأمني والاقتصادي لدفع بغداد نحو إعادة ترتيب أولوياتها، خصوصاً في ما يتعلق بملف الفصائل المسلحة".
وأضاف عماد محمد لـ"إرم نيوز" أن "المرحلة الحالية تختلف عن السنوات السابقة، إذ لم يعد الهدف الأمريكي يقتصر على ضبط سلوك الفصائل أو الحد من هجماتها، بل يتجه نحو تقليص نفوذها داخل مؤسسات الدولة، وربط أي دعم مستقبلي بمدى التزام الحكومة بهذا المسار"، لافتاً إلى أن "هذا التحول يتقاطع مع موقف واشنطن من بعض القوى السياسية، خصوصاً في ظل الجدل حول تشكيل الحكومة الجديدة".
وأوصلت واشنطن رسائل متعددة إلى الحكومة العراقية بشأن ضرورة كبح جماح هذه الميليشيات المسلحة ووقف الهجمات التي تستهدف مصالحها داخل البلاد، ملوّحة بأن استمرار هذا الوضع سيقود إلى إجراءات أكثر صرامة، غير أن هذه الدعوات لم تقابل بخطوات تنفيذية حاسمة على الأرض، إذ بقيت المعالجات ضمن الإطار السياسي والإعلامي، من دون تحركات أمنية واضحة.
وتتقاطع الضغوط الأمريكية مع واقع داخلي مرتبك، يتمثل في انقسام القوى السياسية، وتنامي نفوذ الميليشيات المسلحة، واستمرار الاعتماد على الاقتصاد الريعي المرتبط بعائدات النفط، ما يجعل قدرة الحكومة على المناورة محدودة.
كما أن استمرار الهجمات على المصالح الأمريكية، مقابل غياب إجراءات حكومية حاسمة، يعزز من فرضية انتقال واشنطن إلى مرحلة أكثر تشدداً، قد تشمل توسيع العقوبات أو اتخاذ خطوات إضافية في المجالين المالي والأمني، ضمن مسار تصاعدي للضغط.