تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق توترًا متزايدًا في ظل إستراتيجية أمريكية جديدة تهدف إلى "فك الارتباط" بين بغداد وطهران، لكنها تواجه عقبات "هيكلية عميقة".
وتسعى واشنطن من خلال هذه الإستراتيجية إلى اقتلاع النفوذ الإيراني المتجذر في العراق، خاصة بعد تصاعد التوترات الناتجة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران التي بدأت أواخر فبراير.
لكن العراق يرتبط بعلاقات وثيقة مع كلا الطرفين، ويجد نفسه الآن عالقًا بينهما، وتواجه حكومة بغداد ضغوطًا أمريكية متزايدة لاختيار جانب واحد، بحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز".
يتمثّل جوهر هذه الإستراتيجية في الضغط المتزايد على الحكومة العراقية للنأي بنفسها عن إيران، وتحديدًا تفكيك الميليشيات العراقية المدعومة من طهران التي تهاجم المصالح الأمريكية.
وفي أحدث خطواتها، علّقت الولايات المتحدة التعاون الأمني مع الأجهزة الأمنية العراقية وتمويلها؛ ما يشمل تعليق العمليات المشتركة لمكافحة تنظيم "داعش" والتدريب العسكري والدعم اللوجستي.
كما أثار توقف شحنات الدولار إلى العراق جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والاقتصادية، وسط تقارير أمريكية تتحدث عن إجراءات ضغط جديدة على بغداد.
وتربط هذه الإجراءات الملف المالي بمسار تشكيل الحكومة العراقية المقبلة وضبط سلوك الميليشيات المسلحة المدعومة من إيران.
وكشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، نقلًا عن مسؤولين عراقيين وأمريكيين، أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أوقفت شحنات الدولار إلى العراق، وربطت استئنافها بمسار تشكيل الحكومة الجديدة، إلى جانب تجميد برامج تعاون أمني مع الجيش العراقي، في إطار ضغوط متصاعدة على بغداد.
وترى واشنطن أن استمرار تدفق الدولار إلى السوق العراقية يمر عبر منظومة مصرفية قد تُستغل في تمويل أنشطة مرتبطة بالفصائل، أو في تهريب العملة الصعبة إلى الخارج، وتحديدًا إلى إيران، عبر قنوات تجارية وشبكات غير رسمية.
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية أكدت أن واشنطن لن تتسامح مع الهجمات على مصالحها، وتتوقع من بغداد اتخاذ تدابير فورية لتفكيك الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران، بما في ذلك تلك المرتبطة بمسؤولين حكوميين.
وشدد تومي بيجوت، نائب المتحدث باسم الخارجية الأمريكية على أن الولايات المتحدة "لن تتسامح" مع الهجمات على مصالحها، وتتوقع من الحكومة العراقية أن تتخذ على الفور جميع التدابير اللازمة لتفكيك الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران في العراق.
ويأتي هذا التصعيد عقب سلسلة هجمات استهدفت سفارة واشنطن في بغداد وقواعد أمريكية ومطارًا مزودًا بدفاعات جوية أمريكية في شمال العراق، إذ أعلنت ميليشيات مدعومة إيرانياً مسؤوليتها عن بعض هذه الهجمات، التي جاءت بعد غارة جوية استهدفت مقر إحداها، أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص.
كما استدعت واشنطن السفير العراقي نزار الخير الله لإدانة الهجمات، بما في ذلك هجوم بطائرات مسيرة قرب دبلوماسيين أمريكيين. وفي إشارة إضافية إلى التوتر، نشرت السفارة الأمريكية تحذيرًا من هجمات محتملة على مواطنين أمريكيين وأهداف أمريكية، وعلّقت الخدمات القنصلية، وجددت تحذير مواطنيها من السفر إلى العراق.
تواجه إستراتيجية فك الارتباط تحديات جوهرية تحول دون نجاحها السريع، فالعراق يرتبط بعلاقات وثيقة مع إيران، خاصة مع الأغلبية الشيعية المشتركة، حيث أصبحت الأحزاب السياسية الأقرب إلى طهران الأقوى في الحكومة.
وتشكّلت الميليشيات الشيعية بعد الغزو العام 2003 لمهاجمة القوات الأمريكية، وتلقت تدريبًا وتسليحاً إيرانيًّا، ثم انضمت جزئيًّا إلى التحالف الذي تقوده واشنطن لمحاربة داعش، وخضعت معظمها للإشراف الرسمي، إلا أن بعض الجماعات الأكثر تشدداً ظلت خارج سيطرة الدولة وحافظت على علاقاتها الوثيقة مع إيران.
ويحذّر الخبير السياسي رمزي مارديني، من أن أي محاولة لإخراج هذه الميليشيات قد تؤدي إلى انهيار الدولة، مشيرًا إلى أن هذه التنظيمات "متشابكة مع المؤسسات العسكرية والسياسية والاقتصادية"؛ ما يجعل "حدود الدولة العراقية غير واضحة".
كما يرى مارديني أن الإكراه الأمريكي يستند إلى افتراض خاطئ بأن الحكومة العراقية كيان موحد مستقل، بينما تفشل إدارة الرئيس دونالد ترامب في استيعاب تعقيدات "الدولة" في العراق مع وجود جهات مسلحة مستقلة متغلغلة فيها.
عكست زيارة الجنرال إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس الإيراني، إلى بغداد مؤخرًا عمق النفوذ الإيراني، إذ أكد خلالها أن اختيار رئيس الوزراء "قرار عراقي بحت"، محذراً من التدخل الأجنبي، خاصة الأمريكي الذي وصفه بـ"مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية".
في المقابل، هدد الرئيس ترامب سابقًا بسحب الدعم إذا عاد نوري المالكي، المتحالف مع إيران، إلى السلطة، والذي ردّ برفض "التدخل الأمريكي الصارخ".
فيما يؤكد المسؤول العراقي، حسين علاوي، مستشار الأمن القومي لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني، أن التعاون مع أمريكا يجب أن يستمر، لكن تعليق الدعم يؤثر على اللوجستيات والتدريب.
وتعتقد "نيويورك تايمز"، في ظل هذه التعقيدات، أن استراتيجية "فك الارتباط" ستواجه عقبات هيكلية عميقة، فالنفوذ الإيراني في بغداد ليس سطحياً بل متغلغلاً في نسيج الدولة العراقية ما بعد 2003، الذي تركه الغزو الأمريكي ضعيفاً وعرضة للقوى الإقليمية.
كما أثبتت إيران قدرتها في استغلال الفراغ الذي خلفته واشنطن بالإطاحة بالرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، فيما بدّلت الولايات المتحدة منذ 23 عاماً "عدة استراتيجيات" لتصحيح أخطاء العام 2003 وما تلاه.