في خطوة مفاجئة بتوقيتها وحجمها، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) إطلاق مهمة لنقل معتقلي تنظيم "داعش" من شمال شرق سوريا إلى العراق، "لضمان بقائهم في مراكز احتجاز آمنة"، مؤكدة أنها بدأت بالفعل بنقل 150 معتقلاً من الحسكة إلى موقع "آمن" داخل العراق، مع توقعات بأن يصل إجمالي المنقولين إلى نحو 7 آلاف معتقل لاحقاً.
البيان الأمريكي يبدو للوهلة الأولى "أمنياً" صرفاً، خاصة في ظل اضطراب خطوط السيطرة في شمال شرق سوريا وخطر تكرار سيناريوهات الهروب.
لكن تفاصيل العملية - الأعداد الدقيقة، طبيعة المصنّفات داخل السجون، وأماكن الاحتجاز الجديدة في العراق - بقيت غامضة بشكل أثار أسئلة تتجاوز فكرة "تأمين السجون"، إلى احتمال توظيف الملف ضمن لعبة أكبر تتصل بالصراع المفتوح مع إيران وأذرعها في الإقليم.
وفي بغداد تحديداً، يزداد ثقل الأسئلة لأن نقل ملف بحجم "آلاف المتطرفين" إلى دولة تعيش مرحلة سياسية انتقالية معقدة، لا يمر عادة كإجراء تقني، بل يفتح الباب أمام فرضية ترى في هذه الخطوة "إعادة توزيع للتهديد" بما يخدم مسارات الردع الأمريكية، أو يضغط على الفصائل المتحالفة مع طهران، أو يخلق "ممرات خطر" قرب الحدود الإيرانية قبيل أي مواجهة محتملة.
من الناحية الأمنية البحتة، يرى الباحث السياسي مازن بلال، أن توقيت النقل يتقاطع مع نقطة مزمنة يعرفها الجميع: سجون "داعش" في شمال شرق سوريا كانت دائماً نقطة رخوة قابلة للانفجار، ليس فقط بسبب الضعف البنيوي والضغط العددي، بل بسبب طبيعة التنظيم نفسه الذي يملك تقليداً ثابتاً في التعامل مع ملف الأسرى باعتباره "خزاناً استراتيجياً" لا مجرد معتقلين.
تقارير "مركز مكافحة الإرهاب" في ويست بوينت (CTC) تناولت منذ سنوات مفهوم هجمات السجون، وكيف تتحول محاولات اقتحام السجون والتمردات إلى جزء مما أسمته "مسرح الجهاد العالمي" ، فيما وثّق المركز أيضاً محطات سابقة في سوريا كان فيها ملف السجون نقطة انعطاف حساسة في صعود وهبوط التنظيم.
وفي المقابل، كررت "مجموعة الأزمات الدولية" (International Crisis Group) التحذير من أن وجود آلاف من عناصر التنظيم وعائلاتهم في مخيمات وسجون شمال شرق سوريا هو "قنبلة مؤجلة"، وأن أي فراغ إداري أو أمني يمكن أن ينتج موجات هروب أو إعادة تشكّل للخلايا.
لهذا، قدمت واشنطن روايتها على أنها "عملية منع هروب" قبل أن تتحول الأزمة السورية الجديدة إلى فوضى تتيح للتنظيم استعادة عناصره.
غير أن المشكلة هنا، وفقا للباحث السياسي السوري مازن بلال، الذي يقول لـ"إرم نيوز"، إن واشنطن نفسها لم تقدّم ما يكفي لطمأنة الرأي العام الإقليمي: هل المنقولون هم "الأخطر" فعلاً؟ وما معيار اختيار 150 أولاً؟ وهل النقل عملية طارئة محدودة أم "إفراغ تدريجي"؟.
صحيفة "فايننشال تايمز" ربطت العملية بالاضطراب الميداني في شمال شرق سوريا وتغير شكل السيطرة على منشآت الاحتجاز، وذكرت أن واشنطن نقلت 150 مقاتلاً وقد تنقل لاحقاً الآلاف لتفادي سيناريو انفلات جماعي.
الجزء الأخطر في القصة لا يتعلق بالنقل نفسه، بل بما بعده، وفقا لبلال، مشيرًا إلى أن "العراق الذي يستقبل هذا الملف لا يعلن شيئاً تقريباً عن مواقع الاحتجاز ولا عن نموذج الحوكمة القضائية التي ستتعامل مع آلاف المشتبه بهم والمقاتلين" .
وفقًا لبيان "سنتكوم" يجري الحديث عن "تنسيق وثيق" مع الحكومة العراقية لضمان الهزيمة النهائية للتنظيم، لكن "التنسيق" وحده لا يجيب عن السؤال المركزي كما يقول الباحث بلال، متسائلا: هل هذه المراكز عراقية خالصة أم مشتركة؟ وهل هي سجون تخضع للسلطة القضائية العراقية بالكامل؟ أم ترتيبات أمنية تغلب عليها طبيعة" الملف العسكري" ؟
مراكز دراسات غربية تناولت هذا الملف منذ سنوات بصيغ أكثر مباشرة. تقرير مؤسسة RAND حول "خيارات التعامل مع ظروف معتقلي داعش" ناقش معضلة نقل أو محاكمة أو إعادة توطين المعتقلين، وأشار إلى حجم الضغط على المنظومة القضائية العراقية من حيث الكم الهائل لملفات الإرهاب، وهو ما يجعل "التعامل القانوني" مع موجة جديدة من المعتقلين تحدياً لا يقل خطورة عن التحدي الأمني.
وبما أن بغداد تواجه أصلاً سجالات حادة حول مفهوم السيادة والسلاح والدور الأمريكي، فإن وجود "كتلة داعشية كبيرة" داخل سجون العراق سيتحول سريعاً إلى عنوان سياسي، حول من هو صاحب القرار؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا حصل تسريب؟ ومن يدفع الثمن إذا عادت الهجمات؟.
هنا تبدأ المنطقة الرمادية، على حد تعبير الباحث السوري، الذي يشير إلى أنه "لا توجد وثائق منشورة تثبت أن واشنطن ستستخدم داعش مباشرة كسلاح ضد خصومها، لكن منطق الأمن السياسي يقول إن نقل آلاف معتقلي داعش إلى ساحة مثل العراق ينتج تلقائياً ثلاث فوائد استراتيجية محتملة - حتى لو لم تكن الهدف المعلن.
أولاً: إعادة تثبيت واشنطن بوصفها" حارس الضرورة"، ذلك أنه في كل مرة يرتفع فيها منسوب تهديد داعش، تعود الحاجة السياسية والأمنية لوجود أمريكي نشط (مراقبة، ضربات، معلومات استخبارية) ، وإدارة ملفات حساسة. بهذا المعنى، تصبح "سجون داعش" منصة ضغط دائمة، وأي انسحاب أمريكي أو إضعاف للدور الأمريكي يمكن تصويره كخطأ كارثي يفتح الباب لعودة التنظيم.
الفائدة الثانية، بحسب بلال، هي تحويل "خطر داعش" إلى أداة تقليم للفصائل، من خلال وجود آلاف المعتقلين داخل العراق الذي يخلق بيئة تتيح للولايات المتحدة وحلفائها طرح سؤال واحد بلا توقف: من يسيطر على الأرض؟ ومن يضمن عدم تسرب خلايا التنظيم؟
في لحظة كهذه، تصبح أي قوة مسلحة خارج الدولة هدفاً للنقد الداخلي باعتبارها "تضعف هيبة الدولة" ، وتتحول مكافحة الإرهاب إلى ذريعة لتعزيز نموذج الدولة الأمنية ورفع سقف الضغوط على الفصائل المتحالفة مع إيران.
أما الفائدة الثالثة، فتتمثل، كما يقول مازن بلال في فتح مسار "الحافة الإيرانية"، وهذا السيناريو الأشد حساسية هو الربط بين النقل وبين الحرب المحتملة على طهران.
وأشار إلى أن إيران تعاملت تاريخياً مع داعش كنتاج "حرب هجينة" موجّهة ضدها، وأدبياتها السياسية كررت اتهام واشنطن بأنها من صنع التنظيم أو استثمرت فيه. وفي عام 2017، اتهم المرشد علي خامنئي الولايات المتحدة صراحة بأنها "المسؤولة عن خلق داعش" ، في خطاب لا يزال يُستدعى إيرانياً كلما عاد شبح التنظيم.
وفق هذا المنطق الإيراني، فإن نقل آلاف المعتقلين إلى العراق قرب خطوط تماس تمتد نحو غرب إيران، قد يُقرأ على أنه ليس "إجراء سجون" فقط، بل نقل لعامل خطر يمكن أن يتحول إلى تهديد حدودي أو داخلي في لحظة مواجهة كبرى.
لكن حتى في هذا السيناريو، لا يحتاج الأمر إلى "قرار أميركي بإطلاقهم" حتى يصبحوا خطراً؛ وفقا للباحث بلال، إذ يكفي حدوث تسريب محدود أو انهيار في رقابة السجون أو نجاح شبكات تهريب لتتحول القضية من "نقل منظّم" إلى "حريق أمني" تتلقفه كل الأطراف.
وفق تقاطعات المشهد الحالي، ترجّح قراءات بحثية ومقاربات أمنية ثلاثة سيناريوهات رئيسية لما بعد نقل عناصر داعش.
السيناريو الأول، يفترض أن العملية هي نقل احترازي لتفادي انفلات شامل في سوريا. فواشنطن تخشى انهيار منظومة الحراسة في شمال شرق سوريا بعد التحولات الأخيرة، وتريد منع تكرار أي "كسر أسوار" قد يعيد التنظيم إلى الواجهة بضربة واحدة.
هذا يتسق مع أدبيات المركز الدولي لمكافحة الإرهاب (CTC) التي تعتبر السجون إحدى أخطر نقاط الانفجار الإرهابية.
السيناريو الثاني يعتمد على مفهوم "تدوير الخطر" داخل العراق لإعادة ترتيب المعادلة الأمنية. وهنا يصبح داعش ورقة ضغط غير مباشرة، ليس بالضرورة عبر إطلاق عناصره، بل عبر إعادة إنتاج مبررات التدخل والتمركز والضغط على السلاح غير الرسمي، وإعادة توجيه النقاش العراقي نحو أولوية واحدة، هي مكافحة الإرهاب.
أما السيناريو الثالث، فيقوم على أن الانفلات الجزئي يتحول إلى تهديد ممتد باتجاه إيران.
وهو السيناريو الأكثر خطراً فيما لو كان صحيحا، ذلك أن تسريب خلايا أو تهريب عناصر أو فوضى في الحوكمة تؤدي إلى انتقال التهديد من "ملف سجون" إلى "ملف حدود" .
في هذه الحالة، تُستعاد فوراً رواية طهران عن "داعش كأداة" ، وقد تتعامل إيران مع الأمر بوصفه جزءاً من الحرب الرمادية التي تسبق أي ضربة كبرى.
ورغم أن واشنطن تقول إنها تنقل معتقلي داعش لمنع الهروب وحماية الأمن الإقليمي. لكن ما يحدث عملياً هو أن ملفاً شائكاً كان محصوراً في جغرافيا شمال شرق سوريا، يجري الآن دفعه باتجاه العراق، في لحظة سياسية وأمنية هشة، ومن دون تفاصيل كافية حول الأعداد وأماكن الاحتجاز وآليات الرقابة.
ومع تصاعد احتمالات الصدام الأمريكي - الإسرائيلي مع طهران، يصبح نقل ما يصل إلى 7 آلاف معتقل من داعش خطوة تحمل معنى مضاعفاً، قد تكون حماية من فوضى سوريا، لكنها في الوقت ذاته قد تتحول إلى أداة ضغط داخل العراق، أو إلى قنبلة تهديد أمنية على تخوم إيران، أو إلى "ملف ابتزاز سياسي" يفرض على بغداد خيارات أشد صعوبة في لحظة لا تملك فيها رفاهية التوازن.
وختاما، ليست المشكلة في النقل بحد ذاته، بل في أن "سجون داعش" باتت تتحرك كقطعة شطرنج، بينما المنطقة كلها على حافة تصعيد كبير.
والسؤال الذي لا يجيب عنه بيان "سنتكوم" هو: من يضمن أن هذه القطعة لن تنقلب إلى نار؟.