رفض الخبير العسكري السوري، العميد أحمد رحال، الاتهامات الإيرانية لدمشق باستضافة "خبراء أجانب"، معتبرًا أنها تأتي ضمن استراتيجية تهدف إلى توسيع رقعة الصراع ورفع مستوى الضغط على خصوم طهران.
وأوضح رحال في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن هذا الخطاب "يعكس تصعيدًا إعلاميًا وسياسيًا أكثر مما يعكس واقعًا ميدانيًا، في ظل افتقار إيران إلى القدرة على خوض مواجهة مباشرة".
وذكرت وكالة أنباء "فارس" أن مصادر أمنية إيرانية تحدثت عن استخدام مواقع بارزة في دمشق، بينها فندق "فورسيزون" و"شيراتون" والقصر الجمهوري، كمراكز لتمركز مستشارين أجانب، محذّرة من أنها قد تتحول إلى "أهداف مشروعة" في حال استمرار هذا الوجود.
واعتبر رحال أن هذا النوع من التصريحات لا ينفصل عن نمط أوسع من التهديدات الإيرانية التي طالت مؤخرًا عدة دول في المنطقة، موضحًا أن الهدف هو توسيع الجغرافيا السياسية للصراع وخلق حالة ضغط متعددة الجبهات، دون أن يعني ذلك امتلاك القدرة الفعلية على تنفيذ هذه التهديدات.
وربط رحال بين هذا التصعيد وبين عجز إيران عن مواجهة التفوق العسكري والتقني للولايات المتحدة وإسرائيل بشكل مباشر، مشيرًا إلى أنها تلجأ بدلًا من ذلك إلى استهداف "النقاط الرخوة"، مثل المنشآت المدنية وخطوط الطاقة والممرات التجارية، في محاولة لتعويض هذا الخلل في ميزان القوة.
ويشير هذا التصعيد إلى تحول أعمق في العلاقة بين طهران ودمشق، التي كانت خلال عهد النظام السابق إحدى الركائز الأساسية في المشروع الإقليمي الإيراني.
فقد شكّلت سوريا آنذاك ممرًا رئيسيًا لنقل السلاح والأموال إلى حزب الله، ضمن ما كان يُعرف بـ”الحلقة الذهبية” التي تربط إيران بشرق المتوسط.
وأدى سقوط النظام السابق وصعود سلطة جديدة في دمشق إلى تغيير جذري في هذه المعادلة، حيث تبنّت الحكومة السورية موقفًا واضحًا برفض استخدام أراضيها كممر للسلاح الإيراني أو كمنصة للصراعات الإقليمية، ما تسبب في تراجع النفوذ الإيراني وفقدان أحد أهم خطوط الإمداد الاستراتيجية.
ويرى رحال أن هذا التحول يمثل أحد أبرز دوافع التصعيد الإيراني، مؤكدًا أن طهران تحاول من خلال هذه التهديدات الضغط على دمشق لإعادة فتح قنوات النفوذ السابقة، أو على الأقل إرباك موقفها الجديد.
وتعكس التحركات السورية على الأرض هذا التوجه، إذ دفعت السلطات بتعزيزات عسكرية إلى الحدود مع لبنان والعراق، في خطوة تهدف إلى ضبط الحدود ومنع استخدامها كمعبر لنقل السلاح أو تحرك الجماعات المسلحة، وهو ما ينسجم مع سياسة "تحصين الداخل" التي تتبناها القيادة الحالية.
ويؤكد رحال في هذا السياق أن سوريا تتجه بوضوح نحو سياسة النأي بالنفس عن الصراع، في ظل ضعف قدراتها العسكرية بعد سنوات الحرب، موضحًا أنها لا تمتلك أدوات رد عسكري تقليدية في حال تعرضها لأي استهداف، وأن خياراتها ستبقى في الإطار السياسي والدبلوماسي.
وينسجم هذا الموقف، بحسب رحال، مع توجه عربي أوسع يسعى لتجنب الانخراط في مواجهة مفتوحة مع إيران، نظرًا للكلفة العالية وعدم وضوح النتائج، ما يجعل من خيار التهدئة وضبط الحدود أولوية في هذه المرحلة.
ويخلص المشهد إلى معادلة دقيقة: إيران تصعّد خطابها بعد خسارة نفوذها في سوريا، ودمشق تحاول تثبيت موقعها خارج دائرة الاشتباك، عبر سياسة تقوم على السيادة وضبط الحدود، دون الانجرار إلى حرب تتجاوز قدراتها الحالية.