أكد خبراء في الشأن اللبناني، أن رهان ميليشيا حزب الله اللبنانية على اتفاق مستقبلي بين إيران والولايات المتحدة، يعد خاسراً إلى أبعد حد، مشددين على أن الحل الوحيد المتاح أمام الميليشيا، هو العودة إلى الدولة، والخضوع لسلطتها، وتسليم السلاح إليها.
وبيّنوا لـ"إرم نيوز"، أن ممارسة ميليشيا حزب الله "التقية السياسية" مع قضية نزع سلاحه، التي يبدل فيها التزاماته، بحسب اتفاق وقف إطلاق النار، الذي وافقت عليه الميليشيا منذ أكثر من عام، يهدده وجوده وحاضنته بعملية عسكرية، متخذ قرارها من إسرائيل.
وأوضح الخبراء أن حزب الله يحاول من خلال المماطلة، وخلط الأوراق بخصوص مناطق نزع السلاح، كسب المزيد من الوقت، على أمل أن يطرأ أي تغيير في المشهد الإقليمي في ظل التطورات الجارية في إيران، صاحبة القرار بشأن سلاح الميليشيا اللبنانية.
ويبدل حزب الله مواقفه في التزاماته بملف نزع السلاح، سواء بما وافق عليه في اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل، في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وأيضاً أمام الخطة التي تحركت فيها الحكومة اللبنانية وحددت مراحل لنزع ترسانته العسكرية ليتم حصرها في يد الدولة فقط، وهو ما يضع لبنان وحاضنته الشعبية في "مهب الريح"، في ظل ما تلوح به الولايات المتحدة، بأن تقوم إسرائيل بهذه العملية.
ورفضت ميليشيا حزب الله مؤخرًا، أي توجه من جانب الدولة اللبنانية، للانتقال إلى المرحلة الثانية لنزع سلاحه في شمال الليطاني، في ظل ادعائه بأن ما وافق عليه بخصوص وقف إطلاق النار، كان يخص جنوب الليطاني فقط، ليصل الحال بقيام مسؤول كبير في حزب الله، بتحذير الحكومة من أن المضي في نزع السلاح في كافة أنحاء البلاد، سيؤدي إلى حرب أهلية.
ورأى الباحث السياسي الدكتور ميشال الشماعي، أنه لا يمكن القول إن حزب الله، اليوم، يعتمد سياسة الغموض، بل في الواقع لا يملك أي شيء يصرّح به على مستوى الموقف الرسمي، موضحًا أن حزب الله لم يعد يمتلك قراراً واضحاً، حتى وإن كان ممثلاً في مجلس الوزراء أو في المجلس النيابي، إذ إنه لم يعد يسيطر سواء على القرار الرئاسي أو الحكومي.
وبيّن لـ"إرم نيوز"، أنه لا يمكن إغفال مواقف رئيس الجمهورية في المرحلة الحالية، التي تُعد عالية السقف جداً بالنسبة إلى حزب الله، والتي لم يشهد لبنان مواقف مماثلة لها، منذ العام 2008، وحتى اليوم، مما يجعل حزب الله غير قادر على التعبير عن أي موقف رسمي، سواء من خلال المؤسسات التي كان يسيطر عليها سابقاً، أو من خلال موقف ذاتي خاص به، لأنه لا يملك أي دلائل أو أوراق قوة يستند عليها.
ورفض الدكتور الشماعي تسمية سياسة الغموض التي يسير عليها حزب الله، وتبديل المواقف، على أنها "تصرفات دبلوماسية"، ولكنها تعد ممارسة "التقية السياسية" على حد وصفه، التي يجيدها حزب الله ببراعة.
وأشار إلى أن الغموض في مواقف عدة من خلال تعامله، في المقام الأول، مع قضية السلاح والتي يبدل فيها التزاماته، الآن، مقارنة لما كان عليه قبل عام عند توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2024، لا يؤثر، بأي شكل من الأشكال، على إسرائيل أو واشنطن في طريقة تعاملهم مع لبنان، لأن القرار في نهاية المطاف قد اتُخذ ويتبقى تحديد الوقت المناسب لهم.
وأكد الدكتور الشماعي أن الولايات المتحدة ستمضي قدماً في تنفيذ قرار سلاح حزب الله ونفوذه، ولن يقتصر ذلك على النزع في جنوب أو شمال الليطاني أو لبنان كله، ولكنه سيذهب إلى إنهاء أذرع طهران المسلحة في المنطقة، وفي مقدمتها حزب الله، وتنفيذ العملية تتعلق بحسابات تنظر لها واشنطن بحسب المجريات في إيران.
بدوره، قال المختص في الشأن اللبناني، ربيع ياسين، إن السياسة التي يتبعها، اليوم، حزب الله في مقاربته للأمور، سواء مع الدولة اللبنانية فيما يخص موضوع السلاح أو الملفات الخارجية، تندرج ضمن إطار شراء المزيد من الوقت، بانتظار ما ستؤول إليه تطورات المنطقة، في ظل رهانه على التطورات في إيران، لا سيما أن القرار الإستراتيجي الخاص بنزع السلاح في طهران.
وأضاف لـ"إرم نيوز"، أن حزب الله يحاول من خلال المماطلة وخلط الأوراق بخصوص مناطق نزع السلاح، كسب المزيد من الوقت، على أمل أن يطرأ أي تغيير في المشهد الإقليمي، أو أن يتم التوصل إلى اتفاق بين الإيرانيين والولايات المتحدة يحمي هذه الترسانة.
ونوّه ياسين إلى أن تلك السياسة ليست جديدة، بل سبق أن لوحظت خلال مرحلة وقف إطلاق النار، والاتفاق الذي وقعه رئيس مجلس النواب نبيه بري بالتوافق والتنسيق مع حزب الله، بعدما كلفه الأخير، رسمياً، بهذا الأمر.
وبيّن أن اتفاق وقف إطلاق النار ينص بوضوح على سحب السلاح من كافة المناطق اللبنانية ومن جميع الأقضية، وهو ما وافق عليه حزب الله آنذاك، إلا أنه يعود، اليوم، ليقول إن هذا البند لا يندرج ضمن الاتفاق، مدعياً أن التفاهم اقتصر فقط على جنوب الليطاني، وأن ما هو يتعلق بشمال الليطاني، لم يكن حاضراً.
وشدد ياسين على أن هذه المناورات من حزب الله ليست جديدة، وهي تحصل دائماً، سواء على صعيد السياسة الداخلية أو تشكيل الحكومات، وتندرج جميعها ضمن إطار كسب الوقت بانتظار تبلور الصورة في المستقبل.
وحذّر من أن هذا التلاعب والمراوغة يعرّضان لبنان وحزب الله وبيئته الحاضنة، لمخاطر كبرى غير مسبوقة، في ظل ما هو ملاحظ من دعم أمريكي وغطاء غربي واسع لإسرائيل، في وقت لاتحتاج فيه تل أبيب إلى ذرائع إضافية.
واعتبر ياسين أن أي اتفاق قد يتم التوصل إليه بين الإيرانيين والولايات المتحدة لن يكون انعكاسه إيجابياً، سواء على لبنان أو حزب الله، بل على العكس تماماً، وعدم ذهاب حزب الله إلى نزع سلاحه بالتوافق مع الدولة اللبنانية، بعيداً عما تصبو إليه طهران، سيكون أفضل له، ويبقيه على الأقل في المعادلة السياسية بدلاً من محوه.
وأكد أن الحل الوحيد والأساس المتاح أمام حزب الله هو العودة إلى الدولة، والخضوع لسلطتها، وتسليم السلاح إليها، لأن قوة الدولة تعني قوة الجميع، وضعفها يعني ضعف الجميع، وأن حماية اللبنانيين على اختلاف أطيافهم ومعتقداتهم ودياناتهم وأحزابهم وتياراتهم، لا يتحقق إلا من خلال الدولة ومؤسساتها الشرعية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني.