تكشف التطورات المتسارعة في قطاع غزة عن فجوة متسعة بين الشرعيات المتعددة والواقع الميداني، في وقت تبدو فيه الساحة الفلسطينية أمام فراغ مرجعي وتعقيد سياسي غير مسبوق، مع تراجع أدوار السلطة الفلسطينية، وتآكل حكم حماس، وتشدد الشروط الإسرائيلية الرافضة لأي صيغة حكم فلسطينية واضحة.
وبين تحركات عربية وأمريكية لفرض مسار جديد وطرح الشرعية الدولية كمرجعية انتقالية لإدارة القطاع، تتكاثر المرجعيات وتتصادم الحسابات الدولية مع المصالح الإسرائيلية.
وحولت هذه الفجوة، الواقع في قطاع غزة إلى مربعات نفوذ متنازعة؛ ما يربك أي مسار مقبل للحل، ويعمق عمليات إنعاش القطاع بعد عامين من الحرب التي خلفت واقعًا إنسانيًا واقتصاديًا وسياسيًا متأزمًا.
ويرى المحلل السياسي عبد الرحيم الشوبكي، أن الشرعية الدولية تمثل القانون الدولي، ويمكن تطبيقها على ثلاثة مستويات: قانوني، وسياسي، وعملي، وتشمل منظومة الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقيات جنيف، وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وقواعد حماية المدنيين.
ويؤكد أن الأصل هو فرض هذه الشرعية على الأراضي المحتلة، بما فيها الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وقطاع غزة، باعتبارها جزءًا من الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية .
ويقول الشوبكي لـ"إرم نيوز": "ما يجري في قطاع غزة سياسيًا وعسكريًا وميدانيًا يكشف عن فجوة كبيرة بين الشرعية الدولية وبين القدرة على تطبيق القانون الدولي؛ ما يشير إلى عجز المنظمات الدولية عن تنفيذ قراراتها".
ويضيف: "المشكلة تكمن في غياب جهاز تنفيذي مستقل للقانون الدولي، إضافة إلى أن إسرائيل عمليًا خارج الإرادة السياسية للدول الكبرى، وهو ما يؤدي إلى تآكل الثقة في منظومة النظام الدولي".
ويشير إلى أن "هناك سلوكًا متناقضًا من قبل الولايات المتحدة، فهي تدفع باتجاه إيجاد مرجعية لإدارة شؤون الفلسطينيين في غزة، وفي الوقت نفسه تتجه نحو إنشاء مجلس سلام ليقود المرحلة".

ويضيف: "يعني ذلك وجود تبعثر واضح في المرجعيات وأن هذا التعدد سينعكس على الواقع في القطاع عبر نشوء كيانات متعددة، إما مرتبطة بإسرائيل أو بقوى إقليمية، وكل منها ينفذ رؤيته بعيدًا عن القانون الدولي؛ الأمر الذي قد يحوّل غزة إلى مربعات نفوذ مختلفة ويقود إلى اقتتال داخلي".
ويقول الشوبكي: "تآكل دور الشرعية الدولية أفسح المجال لبروز قوى ميدانية، في ظل منظومة كاملة من تراجع تطبيق القانون الدولي؛ ما منح إسرائيل مساحة للإفلات من الالتزام وعدم التقيد ببنود الاتفاقات، بما فيها الانتقال من المرحلة الأولى إلى الثانية".
وبحسب المحلل السياسي، فإن "العجز في تطبيق الشرعية الدولية مرتبط جوهريًا بإسرائيل؛ إذ إن أي قرار أو نص قانوني يتعلق بها لا يُطبّق منذ عام 1947، في مقابل تطبيق القرارات على دول أخرى؛ ما يعكس انحيازًا واضحًا داخل المنظومة الدولية".
وختم بالقول إن "الفجوة بين تعدد المرجعيات في غزة ستبقى قائمة ما دامت المرحلة الثانية لم تُحل، وما دام الخلاف قائمًا حول سلاح الفصائل، وهو ما سيُبقي القطاع في دائرة مفرغة".
من جانبه، يرى المحلل السياسي أكرم عطاالله أن "الشرعية الدولية بطبيعتها لا تعرف الفراغ، إلا أن هناك تلعثمًا واضحًا في التعامل مع ملفات قطاع غزة، من نزع السلاح وإعادة الإعمار، إلى مسألة القوة الدولية والانسحاب الإسرائيلي". ويعزو ذلك إلى انشغال الولايات المتحدة بملفات أخرى، وعلى رأسها الملف الإيراني، وهو ما جاء على حساب الاهتمام بغزة.
ويقول عطالله لـ"إرم نيوز": "الواقع المعقد في غزة أسهم في إضعاف الشرعية الدولية، بل إن الولايات المتحدة كانت أساسًا من دفع باتجاه هذا الإضعاف عبر خلق أجسام بديلة داخل القطاع ومنع أي تدخل دولي فعّال".
ويضيف أن "سبب عدم تنفيذ الشرعية الدولية لدورها في غزة يعود ببساطة إلى احتكار الولايات المتحدة للقوة وللفعل السياسي في الملف الفلسطيني منذ سنوات طويلة، وحتى في زمن التسوية، إضافة إلى موازين القوى الدولية التي تصب في صالح واشنطن"، ويشير إلى أن "هذا الاحتكار يمنع تحويل القرارات إلى آليات تنفيذية تحمي المدنيين على الأرض".
ويلفت إلى أن "من يملك قرار اليوم التالي هو الولايات المتحدة وإسرائيل بوصفهما الطرفين الأقوى في ميزان السياسة، حيث تتيح القوة لإسرائيل، بدعم أمريكي، إعادة هندسة اليوم الثاني بما يتلاءم مع رؤيتها".
ويرى المحلل السياسي عماد عمر أن "الحديث عن قطاع غزة بعد عامين من الحرب يندرج في سياق تبدّد المرجعيات الفلسطينية، سواء فيما يتعلق بمرجعية السلطة الفلسطينية، أو بتآكل حكم حركة حماس داخل القطاع، إضافة إلى الشروط الإسرائيلية التي وضعتها إسرائيل، والتي تقوم على رفض وجود السلطة الفلسطينية".
ويقول عمر لـ"إرم نيوز"، إن "التحرك الأمريكي جاء ليفرض خطة الرئيس ترامب، في محاولة لإنقاذ إسرائيل من المأزق الذي واجهته دوليًا، خاصة في ظل المقاطعة الأوروبية والضغوط والملاحقات التي طالت قادة اسرائيل".
ويضيف "هذه الخطة تحمل في طياتها خارطة طريق تهدف إلى إرضاء جميع الأطراف، بما في ذلك إسرائيل، عبر إخراجها من المأزق الذي صنعته بنفسها نتيجة شروطها المتناقضة التي ترفض وجود السلطة الفلسطينية وترفض في الوقت نفسه بقاء حماس في غزة".
ويشير إلى أن "فكرة تشكيل الشرعية الدولية جاءت لتكون المرجعية الأساسية خلال فترة انتقالية لإدارة الحكم في قطاع غزة، على أن تشكل هذه المرحلة جسرًا مؤقتًا إلى حين تمكين السلطة الفلسطينية من العمل وفق الشروط التي يفرضها المجتمع الدولي، خاصة في ما يتعلق بإصلاح مؤسساتها".
ويقول: "هذا الواقع أدى إلى استمرار الوضع القائم، حيث ما زالت حكومة حماس تدير بعض الشؤون الأمنية والترتيبات الداخلية، بالتوازي مع استمرار العمليات الميدانية وعمليات الاغتيال وهناك قوى ميدانية شجعتها إسرائيل عبر الخروقات على الأرض، إضافة إلى نشاط الميليشيات في منطقة الخط الشرقي، ما قد يتبدد مع دخول اللجنة الوطنية وقوة الاستقرار إلى القطاع وبدء المرحلة الثانية من التنفيذ".
وبحسب عمر، فإن "عجز الشرعية الدولية عن تطبيق مهامها يعود إما إلى وجود ضوء أخضر أمريكي ودعم واضح لإسرائيل، أو إلى ضعف المجتمع الدولي وعدم قدرته على التأثير بسبب تشابك المصالح مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن معظم القرارات تبقى في إطار الشجب والاستنكار دون أن تتحول إلى آليات تنفيذية".
ويضيف مختتماً: "قرار اليوم التالي في غزة بات بيد ثلاثة أطراف: إسرائيل، والولايات المتحدة، والدول العربية"، معتبرًا أن "الفلسطينيين اليوم في موقع ضعف، لغياب رؤية فلسطينية واضحة لمرحلة ما بعد الحرب، ولفقدان أوراق القوة التي يمكن استخدامها في مواجهة إسرائيل والمجتمع الدولي".