تتعقّد الحسابات السياسية والعسكرية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في ظل تعثّر تحقيق أهداف الحرب بشكل كامل في قطاع غزة، ومحاولة دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتوجيه ضربة عسكرية حاسمة لإيران.
وبين تمسّك أمريكي بمسار سياسي لم يُغلق بابه بعد، وإصرار على الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة، ومماطلة إسرائيلية مدفوعة بأزمات داخلية وانتخابات قريبة، تبدو غزة والملف الإيراني ورقتين في معادلة واحدة معادلة تختلط فيها رهانات الأمن بمحاولات نتنياهو البحث عن إنجاز خارجي قد ينقذه من مأزقه الداخلي.
ويرى المحلل السياسي هاني أبو السباع، أن نتنياهو ما زال يبحث عن صورة نصر سواء في غزة أو في إيران أو في لبنان.
ويقول لـ"إرم نيوز": "نتنياهو يصرّ على ربط إعمار قطاع غزة بنزع سلاح الفصائل، مستخدمًا في كل مرة شروطًا جديدة، كما فعل سابقًا في ملف معبر رفح، الذي فُتح لاحقًا لكن ضمن قيود مشددة على حركة الدخول والخروج".
ويضيف "نتنياهو يتبنى في الملف الإيراني الشروط الأمريكية الأربعة، ويواصل الحديث عن تطور البرنامج النووي الإيراني وتقدم إيران في مجال الصواريخ الباليستية، مدعّمًا ذلك بتسريبات تتعلق بتنسيق عسكري إيراني مع الصين".
ويشير إلى أن نتنياهو يضغط باتجاه وقف التخصيب النووي الإيراني بالكامل، وإنهاء المشروع النووي، ووقف تطوير الصواريخ الباليستية، إلى جانب وقف دعم إيران لما يسمى "محور المقاومة" في العراق ولبنان واليمن وغزة.
وإزاء هذه الرؤية، يقول أبو السباع: "يحاول نتنياهو إقناع الإدارة الأمريكية بأولوية الخيار العسكري ضد إيران، في حين ما زال الرئيس الأمريكي يترك هامشًا للمسار السياسي، رغم تعثره".
ويقول: "نتنياهو ردّ برفض الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة دون ربطها بنزع سلاح الفصائل، كما رفض وجود قوات قطرية أو تركية ضمن أي قوة محتملة في القطاع وأنه يحاول إقناع الأمريكيين بأن التقدم في ملف غزة مرتبط بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، رغم أن أوراقه في هذا الملف باتت محدودة، إلى جانب معاناته من أزمات داخلية".
ويلفت إلى أن نتنياهو مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول، مرشح للذهاب نحو مزيد من التصعيد في غزة أو الضفة أو لبنان، والضغط باتجاه مواجهة مع إيران، لأن استمرار التوتر والحروب يبعد عنه الملاحقات القضائية ويعزز حضوره السياسي.
ويختم بالقول: "تواصل الولايات المتحدة حشدها العسكري غير المسبوق مع الإبقاء على نافذة سياسية ضيقة، فيما تستعد إيران بدورها لأي مواجهة محتملة، ما يعني أن المنطقة تقف على حافة مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية على نحو غير مسبوق".
ويرى المحلل السياسي شاكر شبات أن نتنياهو، ووفق التصريحات الصادرة من داخل إسرائيل، لم يحقق الأهداف التي رفعها في الحرب على قطاع غزة، وتحديدًا في ما يتعلق بإسقاط حركة حماس والسيطرة الكاملة على القطاع.
ويشير إلى أن هذا الإخفاق يدفع نتنياهو إلى الضغط باتجاه عدم الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق إلا بشروط تتعلق بنزع السلاح.
ويقول شبات لـ"إرم نيوز": "نتنياهو يحاول ربط ملف غزة بالملف الإيراني، خاصة في ظل التقديرات الإسرائيلية التي تشير إلى أن إيران تعيد بناء قدراتها الصاروخية، ولا سيما الصواريخ البالستية القادرة على الوصول إلى العمق الاسرائيلي، وأن نتنياهو يضغط على ترامب لدفع مواجهة مع إيران نيابة عن إسرائيل، باعتبار ذلك جزءًا من تأمينها الاستراتيجي".
ويضيف: "ترامب في المقابل، يرى أن إنهاء حرب غزة شرط أساسي لإعادة ترتيب أوضاع الشرق الأوسط وفق المصالح الأمريكية، ولذلك يصرّ على الانتقال إلى المرحلة الثانية، رغم منحه نتنياهو هامشًا محدودًا من الخروقات، لكنه في الوقت نفسه أجبره على التوقيع والانخراط في مسار مجلس السلام ما يعكس جدية واشنطن في المضي بهذا الاتجاه".
ويشير إلى أن ترامب يحاول مقايضة نتنياهو، عبر الضغط العسكري والسياسي على إيران مقابل تراجع إسرائيل عن المماطلة في تنفيذ المرحلة الثانية.
ويردف أن "واشنطن دخلت في مفاوضات مع طهران مستندة إلى التهديد العسكري وحشد حاملات الطائرات، بهدف تحقيق إنجازات تتعلق بالملف النووي والحد من الصواريخ البالستية".
ورجّح أن تستمر هذه المفاوضات، وأن تبدأ مرحلة إعادة الإعمار في غزة وفق التصور الأمريكي، حتى لو كانت بشكل جزئي وفي مناطق محددة.
ويقول شبات: "توجيه ضربة عسكرية لإيران ليس أمرًا بسيطًا، لأن أي مواجهة واسعة قد تلحق أضرارًا بإسرائيل نفسها، خاصة في ظل محدودية القدرة على حماية الجبهة الداخلية بشكل كامل، كما ظهر في جولات سابقة".
ويوضح أن "نتنياهو يعيش أزمة داخلية حادة، في ظل تراجع شعبيته واقتراب استحقاقاته القضائية، ولذلك يسعى إلى إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم لتأجيل الانتخابات والهروب من المحاسبة".
ويختم بأن "نتنياهو يخلط الملفات بين غزة وإيران ولبنان بدافع الأنانية السياسية ويربط مصلحة إسرائيل بمستقبله الشخصي، رغم تحذيرات المعارضة والجنرالات المتقاعدين من أن هذا المسار قد يجر إسرائيل إلى مربع خطر ويكبّد الجبهة الداخلية أثمانًا كبيرة، خاصة أن استمرار الحرب لم يعد يخدم أمن إسرائيل بقدر ما يخدم بقاء نتنياهو السياسي".