لم يكن تنفيذ ولاية فلوريدا 19 حكم إعدام خلال عام 2025 مجرد رقم مرتفع ضمن إحصاءات العدالة الجنائية، بل لحظة فاصلة أعادت رسم الخريطة الوطنية لعقوبة الإعدام في الولايات المتحدة.
الولاية استحوذت وحدها على نحو 40% من إجمالي الإعدامات المنفذة في البلاد خلال العام ذاته، في وقت كانت فيه غالبية الولايات إما قد جمدت تنفيذ الأحكام أو خفّضت وتيرتها إلى الحد الأدنى.
ووفق تقرير نشرته صحيفة "ذا تايمز"، فإن ما حدث في فلوريدا لا يعكس تشدداً قضائياً ظرفياً، بل يمثل انعطافة سياسية وتشريعية أعادت إحياء العقوبة على المستوى الوطني بعد سنوات من الانكماش.
ويلفت التقرير إلى أن الولايات المتحدة سجلت في 2025 أعلى عدد من الإعدامات منذ عام 2009، وهو ارتفاع لا يمكن فهمه دون النظر إلى دور فلوريدا المركزي.
في وقت كانت فيه اتجاهات السياسة الجنائية تميل إلى تقليص استخدام العقوبة القصوى بفعل الطعون القانونية، ونقص أدوية الحقن المميت، وتحولات الرأي العام، اختارت فلوريدا السير في الاتجاه المعاكس، لتتحول من ولاية ضمن المشهد إلى عامل حاسم في تحديده.
في قلب هذا التحول يقف حاكم الولاية الجمهوري رون دي سانتيس، الذي كثّف توقيعه على أوامر تنفيذ الإعدام بوتيرة غير مسبوقة.
ووفق ما أوردته الصحيفة، لم يقتصر الأمر على تنفيذ أحكام جاهزة، بل شمل إعادة تفعيل ملفات تعود إلى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ما أدى إلى تقليص تراكم طويل على قوائم المحكومين بالإعدام.
قدّم دي سانتيس هذا النهج بوصفه التزاماً بمبدأ "العدالة المتأخرة هي عدالة منقوصة"، معتبراً أن الانتظار لعقود يقوض ثقة الجمهور بالنظام القضائي ويضاعف معاناة عائلات الضحايا.
التسارع التنفيذي لم يكن كافياً وحده لإحداث هذا الأثر. فقد شهدت فلوريدا خلال ولايتي دي سانتيس تعديلات تشريعية جوهرية، أبرزها توسيع نطاق الجرائم التي قد تستوجب الإعدام لتشمل بعض جرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال، في تحدٍّ مباشر لقرار المحكمة العليا الأميركية عام 2008 الذي قصر العقوبة على جرائم القتل.
كما جرى خفض شرط الإجماع الكامل لهيئة المحلفين، بحيث أصبحت أغلبية 8–4 كافية لإصدار توصية بالإعدام في قضايا القتل.
وبحسب الصحيفة، فإن هذه التعديلات خفّضت العتبة الإجرائية لإصدار وتنفيذ الأحكام، ما جعل النظام القضائي في الولاية أكثر قابلية لتفعيل العقوبة مقارنة بولايات أخرى.
رغم أن مكتب الحاكم يؤكد أن السياسة تقتصر على تنفيذ أحكام قضائية نهائية، فإن التوقيت، كما تشير الصحيفة، يثير تساؤلات سياسية.
دي سانتيس، الذي كان يُنظر إليه سابقاً كمنافس بارز للرئيس دونالد ترمب داخل الحزب الجمهوري، يسعى إلى إعادة تثبيت موقعه الوطني مع اقتراب دورة 2028.
ويرى منتقدوه أن تشديد تطبيق عقوبة الإعدام يعزز صورته كحاكم "صارم في مواجهة الجريمة" ويخاطب القاعدة المحافظة في لحظة تتسم بإعادة ترتيب موازين القوى داخل الحزب.
في المقابل، ينفي فريقه أي دوافع انتخابية، مؤكداً أن تنفيذ الأحكام ليس أداة سياسية بل التزاماً دستورياً تجاه قرارات القضاء.
في وقت تتجه فيه ولايات عدة إلى تقليص استخدام الإعدام أو تجميده بالكامل، أصبحت فلوريدا استثناءً لافتاً داخل مشهد وطني متغير.
وبحسب الصحيفة، فإن ما حدث خلال عام واحد يكشف كيف يمكن لولاية واحدة، بقرار سياسي وتشريعي واضح، أن تعيد تشكيل المؤشرات الوطنية بأكملها.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تمثل فلوريدا بداية موجة جديدة تعيد الاعتبار لعقوبة الإعدام في الولايات المتحدة، أم أن ما نشهده هو لحظة سياسية مرتبطة بقيادة بعينها وطموحاتها المستقبلية؟ المؤكد أن فلوريدا لم تعد مجرد ولاية ضمن السجال، بل أصبحت مركزه.