دخل العراق مرحلة سياسية معقدة، وسط استمرار الخلافات بين الكتل والقوائم الكبرى، وتجاوز المهل الدستورية الخاصة بتحديد رئاستي الجمهورية والوزراء؛ ما أعاد إلى الواجهة المخاوف من انزلاق البلاد نحو فراغ طويل الأمد يهدد عمل مؤسسات الدولة ويضعف قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.
ويرى مختصون أن أزمة تشكيل الحكومة لم تعد مجرد خلاف على أسماء أو مناصب، بل تحولت إلى صراع مفتوح على شكل السلطة المقبلة، في وقت تفتقر فيه البلاد إلى أفق سياسي واضح، وسط انسداد قنوات التفاهم داخل البيت الشيعي، وتباين المواقف بين القوى السنية والكردية؛ الأمر الذي ينعكس مباشرة على الأداء الحكومي والاستقرار العام.
وقال الباحث في الشأن السياسي حسام ممدوح إن "حالة الفراغ السياسي التي يعانيها العراق بفعل الخلاف بين الكتل والقوائم السياسية دخلت مرحلة حرجة جداً، لا سيما بعد تجاوز التوقيتات الدستورية المتعلقة بالتصويت على المناصب العليا؛ ما ينذر بدخول البلاد في حالة أشبه بالشلل السياسي، ستعيق عمل الدولة ومؤسساتها".
وأضاف ممدوح لـ"إرم نيوز" أن "هذا الواقع سينعكس بكل تأكيد على مفاصل الدولة، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية، إذ إن أزمة الرواتب، وارتفاع الأسعار نتيجة عدم استقرار سعر صرف الدولار، كلها مؤشرات مقلقة لأزمة اقتصادية أوسع، قد تمتد آثارها إلى السلم والأمن المجتمعيين، خصوصاً في ظل التحولات الإقليمية والدولية المحيطة بالعراق".
ويُدار العراق حالياً عبر حكومة لتصريف الأمور اليومية برئاسة محمد شياع السوداني، وهي لا تمتلك صلاحيات كاملة لاتخاذ قرارات استراتيجية أو إطلاق مشاريع البنى التحتية، وهو ما يقيد قدرتها على التعامل مع الملفات الاقتصادية الثقيلة، مثل ضبط السوق، وإدارة السياسة النقدية، ومواجهة العجز المالي، أو حتى تمرير الموازنات المالية.
وفي هذا السياق، برزت خلال الأشهر الماضية إجراءات اقتصادية وُصفت بالتقشفية، تمثلت برفع بعض الرسوم، وتشديد الجبايات، وتقليص الإنفاق في قطاعات خدمية، وسط انتقادات متزايدة لكون هذه الإجراءات تُطبق في ظل غياب رؤية اقتصادية شاملة، ومع انعدام الغطاء السياسي الكامل للحكومة؛ ما يضاعف من آثارها الاجتماعية، ويحمّل الفئات الضعيفة كلفة الأزمة.
وتسود في الشارع العراقي حالة من القلق والترقب، مع تزايد المخاوف من انعكاسات استمرار الانسداد السياسي على الواقع المعيشي، لا سيما مع التأخير المتكرر في توزيع رواتب الموظفين، واضطراب السوق، وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
وعلى الصعيد الخارجي، لا ينفصل المشهد الداخلي عن الرسائل الدولية المتزايدة؛ إذ لوحت واشنطن بإمكانية فرض عقوبات أو اتخاذ إجراءات ضاغطة على العراق، في حال تمرير رئيس وزراء لا يحظى بتوافق داخلي أو قبول دولي، في إشارة واضحة إلى الجدل الدائر حول إعادة ترشيح نوري المالكي، وما قد يترتب على ذلك من انعكاسات سياسية واقتصادية.
وفي مقابل هذه التحذيرات، أثار تصريح للقيادي في الإطار التنسيقي هادي العامري جدلاً واسعاً، حين سُئل عن إمكانية فرض عقوبات على العراق بسبب تمرير المالكي، ليجيب بعبارة "إلى الجحيم"، وهو موقف قرأه مختصون مؤشراً على حالة التحدي داخل بعض أوساط الإطار، لكنه في الوقت ذاته أثار مخاوف من الدخول في مواجهة مفتوحة مع المجتمع الدولي، يدفع ثمنها الاقتصاد العراقي.
من جهته قال الخبير الاقتصادي عبدالحسن الشمري لـ"إرم نيوز" إن "الطبقة السياسية لا تبدي اكتراثاً حقيقياً بالوضع الاقتصادي، بقدر انشغالها بصراعات السلطة وتوازنات الحكم، وهو ما تسبب خلال السنوات الماضية بتراكم أزمات معيشية معقدة، وحال دون خلق اقتصادي حقيقي مثل الدول الأخرى".
وأضاف الشمري أن "الممارسات السياسية غير المستقرة، وغياب التخطيط، وتعطيل تشكيل الحكومات، كلها عوامل أضعفت ثقة السوق، وأربكت السياسة النقدية، ودفعت المواطن لتحمل كلفة قرارات لا علاقة له بها"، محذراً من أن "استمرار هذا النهج قد يضع العراق أمام سيناريوهات اقتصادية أكثر قسوة، خصوصاً إذا ترافقت الأزمة الداخلية مع ضغوط خارجية".
ويجمع مختصون على أن تجاوز هذه المرحلة يتطلب تسوية سياسية بشكل سريع، تعيد الاعتبار للمسار الدستوري، وتنتج حكومة كاملة الصلاحيات، قادرة على استعادة ثقة الداخل والخارج، واحتواء التداعيات الاقتصادية، قبل أن يتحول الفراغ السياسي إلى أزمة شاملة يصعب احتواؤها.