أثارت مبادرة أطلقها رئيس حكومة الاستقرار الوطني المدعومة من البرلمان في ليبيا، أسامة حماد، وتقوم على دعوة رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، إلى إجراء حوار من أجل إنهاء الأزمة أو "مغادرة المشهد معاً" تساؤلات بشأن فرص نجاح هذه المبادرة في كسر الانسداد السياسي الذي تعرفه ليبيا.
وقال حماد في كلمة متلفزة، "أوجِّه دعوة صادقة وأخوية إلى نفسي وإلى الدبيبة بتغليب المصلحة العامة ومغادرة المشهد، بدلاً من تبادل الاتهامات حول المتسبب فيما وصلت إليه الأمور، ونعطي الفرصة لغيرنا لتوحيد مؤسسات الدولة".
وجاءت مبادرة حماد في وقت تدفع فيه الولايات المتحدة الأمريكية بمساعٍ من أجل إنهاء الانقسام السياسي الذي تعرفه ليبيا بالتزامن مع إقرار بعثة المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، بتعثر جهود وساطتها لإحداث تقدم ملموس بين مجلسي النواب والدولة.
وعلق المحلل السياسي الليبي، خالد محمد الحجازي، على الأمر بالقول، "إنّ مبادرة حماد تعكس عمق الجمود الذي يقيّد المشهد الليبي منذ سنوات".
وأضاف، أن "هذه الدعوة تحمل بُعدًا رمزيًا مهمًا يتمثل في الاعتراف الضمني بواقع الانقسام المؤسسي بين الشرق والغرب، وبأن استمرار الازدواجية التنفيذية لم يعد قابلًا للاستدامة. كما تمثل محاولة لإعادة صياغة الخطاب السياسي عبر طرح خيار جذري يضع الطرفين أمام مسؤولية تاريخية: إما التوافق، أو إنهاء المرحلة الحالية معًا".
وتابع الحجازي في حديث لـ"إرم نيوز"، "ومع ذلك، تظل القيمة العملية للمبادرة محدودة، إذ لا تتضمن خارطة طريق واضحة أو آليات تنفيذ محددة يمكن قياسها ومتابعتها. فهي أقرب إلى رسالة سياسية ضاغطة منها إلى مشروع تسوية متكامل، خاصة في ظل غياب ضمانات واضحة أو جدول زمني ملزم أو إطار تفاوضي منظم يحدد القضايا الجوهرية وآليات معالجتها".
وأردف، أن "المبادرة تعكس حجم الضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة لدفع الأطراف الليبية نحو تسوية، إلا أن غياب رؤية وطنية موحدة يجعل مثل هذه الطروحات عرضة للبقاء في إطار إدارة الأزمة بدل حلّها. وعليه، فإن كسر الجمود السياسي يظل مرهونًا بإرادة حقيقية للتنازل المتبادل، وبخطوات عملية تترجم الشعارات إلى مسار انتقالي واضح المعالم".
وتعاني ليبيا من انقسام حكومي منذ سنوات حيث أدى تعثر إجراء الانتخابات الرئاسية، التي كان من المقرر تنظيمها في الـ24 من ديسمبر/ كانون الأول 2021، إلى سحب البرلمان الاعتراف بشرعية حكومة الوحدة الوطنية، وشكّل حكومة جديدة.
واعتبر المحلل السياسي الليبي، حسام الفنيش، أن "هذه الدعوة إلى الحوار أو المغادرة معا تعكس محاولة لإعادة تموضع سياسي في لحظة تتصاعد فيها الضغوط الاقتصادية والنقدية. غير أن الخطاب المتبادل بين الأطراف يكشف بوضوح أن كل طرف يسعى بالتوازي إلى الدفاع عن سياساته المالية وتبرير نمط إنفاقه أمام الرأي العام".
وأضاف الفنيش في حديث لـ"إرم نيوز" أنّ "تصريحات رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة بشأن ضرورة الالتزام بالإنفاق الموحد وربط تراجع قيمة العملة بما وصفه بالإنفاق التنموي الموازي في الشرق تعكس إدراكا لحساسية الملف الاقتصادي في معركة الشرعية".
ولفت إلى أنّ "في المقابل يُفهم من الخطاب الآخر أن الإنفاق التنموي يُقدَّم بوصفه استجابة لاحتياجات مناطقية وتعويضاً عن اختلالات سابقة ما يحوّل الجدل من مسألة سياسية إلى نزاع حول إدارة الموارد وتوزيعها".
ويعتقد الفنيش أن "دلالات المبادرة لا تنفصل عن هذا السجال المالي؛ فهي تأتي في سياق محاولة احتواء التداعيات الاقتصادية للانقسام. غير أن كسر الجمود لن يتحقق عبر تبادل الاتهامات بشأن أسباب انهيار العملة بل عبر توحيد فعلي للسياسات المالية وإخضاع الإنفاق لرقابة مؤسسية شفافة والاتفاق على إطار اقتصادي وطني يمنع ازدواجية القرار. عندها فقط يمكن لأي مبادرة سياسية أن تجد أرضية صلبة للتحول إلى حل مستدام".