يترقب الفلسطينيون في قطاع غزة الانتقال إلى تطبيق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بعد انتهاء أزمة جثة الرهينة الإسرائيلية الأخيرة التي أعلنت إسرائيل مساء الاثنين، العثور عليها بعد عملية بحث في مقبرة شرق مدينة غزة.
وتشمل هذه المرحلة ضمن قضايا جوهرية، ملف نزع سلاح الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، وهو ما ينذر بواقع سياسي وأمني جديد، قد يمهد لشكل جديد للسلطة في غزة بعد سحب أحد أهم أوراق القوة لدى حركة حماس التي كانت تسيطر على غزة منذ العام 2007.
كما يثير شكل السلطة الجديد التي ستنشأ في قطاع غزة، في ظل لجنة فلسطينية الأشخاص، لكن بمرجعية بعيدة سياسيًا عن السلطة الفلسطينية أو حتى حركة حماس، وتخضع لإدارة ما يُعرف بـ"مجلس السلام" الذي ما زالت آليات عمله غامضة.
يرى المحلل السياسي فراس ياغي أن لجنة غزة قد تحقق نجاحًا في تنفيذ خطتها المتعلقة بالإغاثة والتعافي والإعمار، إلا أن هذا النجاح مرهون بعدد من القيود.
وقال ياغي لـ"إرم نيوز": "وفق ما عرضه كوشنير في مؤتمر دافوس، فإن شكل وطبيعة الإعمار تخضع لتحديد مجلس السلام ولجنة الخبراء الدوليين، ما يجعل لجنة غزة غير قادرة على اتخاذ قرارات مستقلة دون الحصول على موافقات أمريكية".
وأضاف أن "وضع اللجنة غير المستقل سيُعقد عملها، حيث لا يمكنها تنفيذ أي إجراء دون موافقة المفوض السامي ميلادنوف، ما يحدد دورها في نطاق الخدمات الإدارية وحفظ الأمن الداخلي، بعيدًا عن أي توجهات استراتيجية وإن هذا الواقع سيواجه اللجنة بعقبات عديدة، قد تؤدي إلى إشكاليات أمام الشعب الفلسطيني في غزة، وربما تفقدها جزءًا كبيرًا من شعبيتها".
وتابع أن "خطة الرئيس ترامب لا تؤسس لكيان فلسطيني مستدام، لأنها لا تتعلق بالأساس بإيجاد مسار موثوق لتقرير المصير، إذ أن هذا المسار مشروط بالإصلاحات التي توافق عليها أمريكا وإسرائيل، وبتطوير قطاع غزة بطريقة لا تشكل أي تهديد لإسرائيل".
وأوضح أن "وجود لجنة تكنوقراط لإدارة غزة يندرج في سياق خلق جسم فلسطيني على تماس يومي مع الشعب في القطاع، يتحمل مسؤولية تنفيذ المهمات، لكنها محكومة بالوصاية الأمريكية".
وقال إن "كل ما سيجري سيظل في إطار إدارة الصراع دوليًا وأمام المؤسسات الدولية، بينما على أرض الواقع ستواجه اللجنة صعوبات كبيرة بسبب عدم قدرتها على تنفيذ مخططاتها، وعدم وجود مرجعية وطنية يعمّق الفجوة بينها وبين الشارع الغزي".
وبحسب ياغي، فإن "السلطة الجديدة في غزة مؤقتة ومقررة لمدة عامين، وأن المخطط الأمريكي يسعى لخلق قيادة فلسطينية جديدة لا علاقة لها بالفصائل، تمثل الشعب الفلسطيني في غزة والضفة، وتوافق لاحقًا على كيانية فلسطينية مركزها غزة، تشمل ما تبقى من الضفة".
لكن ياغي أكد أن "هذه الرؤية الأمريكية، التي قد تستغرق عقدًا من الزمن لتنفيذها، لا تحظى بموافقة حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل التي لا تزال تعمل على تهجير الفلسطينيين من غزة والضفة".
من جانبه يرى المحلل السياسي نبهان خريشة أن قضية تسليم الفصائل لسلاحها لم تُحسم بعد، ولا تزال المفاوضات جارية، لكنه اعتبر أنه حتى في حال تم نزع السلاح من قطاع غزة، فلن ينتج فراغ أمني إذا كانت هناك إرادة حقيقية لتسوية الوضع وإعادة الإعمار ووضع الناس على مسار حياة طبيعي.
وقال خريشة لـ"إرم نيوز": "إسرائيل تحاول تبرير وجود قوات مسلحة في غزة، إلا أنه في حال تم نزع السلاح وظهور سلطة فلسطينية في القطاع، فإن هذا قد يشكل نوعًا من الكيان المنفصل عن الضفة الغربية، حيث ستظل الضفة تحت السيطرة الإسرائيلية، فيما يكون الحكم في غزة هو الحكم الفلسطيني الوحيد المعترف به دوليًا".
وأضاف أن "أهل غزة عانوا كثيرًا، لدرجة يصعب تصورها، لذا من غير المرجح أن يقبلوا باللجنة الإدارية لإدارة غزة بوصفها سلطة وصاية، وأن الشعب لن يرضى بأن يكون تحت إدارة تُدار من الخارج أو كأداة تنفيذية فقط ولكنه مجبر نظرًا للمعاناة التى عايشها ولكن من يعيش في الخارج ربما يراها وصاية".
وتابع أن "النوايا الحقيقية لما يجري في غزة حاليًا لا تزال غير واضحة، وأن المنطقة تتجه نحو إعادة رسم النفوذ الأمريكي والإسرائيلي، خاصة في ظل احتمالات التصعيد الإقليمي، بما في ذلك هجوم محتمل على إيران، وما قد يترتب عليه من تغييرات واسعة في المشهد السياسي".
وأوضح أنه "في حال كانت الإدارة الأمريكية أو القوى الدولية والإقليمية تسعى لإنهاء القضية الفلسطينية بشكل نهائي، فإن الحكم في غزة لن يكون مؤقتًا كما يُروج له، بل دائمًا، حتى وإن جاء بصيغة إدارة وطنية لإدارة شؤون القطاع".