logo
العالم العربي

استدعاء "ذاكرة الدم".. قلق شعبي واسع من نقل عناصر داعش إلى الداخل العراقي

سجناء داعش في سوريا

أثار قرار الحكومة العراقية نقل عناصر تنظيم "داعش" من السجون السورية إلى الداخل العراقي موجة قلق شعبي متصاعدة، في توقيت بالغ الحساسية يتزامن مع اقتراب تشكيل الحكومة الجديدة، وتكليف نوري المالكي برئاستها، ما حوّل الملف إلى عبء اجتماعي مفتوح على ذكريات الماضي.

وبينما تؤكد الحكومة أن القرار "أمني بحت" ويهدف إلى حماية العراق ومنع أي فوضى محتملة في السجون والمخيمات السورية، يرى قطاع واسع من الشارع أن إعادة هذا الملف إلى الداخل تعني عمليًّا إعادة فتح جراح لم تندمل بعد، في بلد لم يتعاف اجتماعيًّا من آثار الحرب، ولا يزال يعيش توترات اقتصادية وخدمية خانقة.

وخلال الأيام الماضية، أقر المجلس الوزاري للأمن الوطني، برئاسة رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، تشكيل لجنة أمنية موحدة ووضع خريطة طريق متكاملة للإشراف على عملية نقل عناصر التنظيم، وصولًا إلى تقديمهم للعدالة، مؤكدًا استمرار التعاون مع التحالف الدولي، وضرورة اضطلاع المجتمع الدولي بمسؤولياته.

أخبار ذات علاقة

عناصر من الأمن العراقي

من السجن إلى المحكمة.. العراق يضع خطة للإشراف على نقل عناصر "داعش"

طلبات سريعة لأوروبا

لكن سرعان ما بدأت الجهات الرسمية العراقية، بإرسال طلبات إلى الدول الأوروبية لتسلم رعاياها، وهو مسار أثار تساؤلات عن سبب موافقة بغداد، رغم ضعف إمكانياته وتراجع بنيته التحتية.

وخلال اتصال هاتفي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، جرى قبل أيام، دعا رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، دول الاتحاد الأوروبي إلى تسلّم رعاياها من عناصر "داعش" المعتقلين، وضمان محاكمتهم في بلدانهم، مشددًا على أن العراق لا يمكن أن يتحمل هذا العبء منفردًا، خصوصًا مع بدء الإجراءات القضائية بحق المعتقلين داخل البلاد.

ورغم هذه التطمينات، فلا يبدو الشارع العراقي مطمئنًا، إذ تتصاعد المخاوف من أن يتحول الملف إلى "صداع دائم" للحكومة المقبلة، مع احتمالات تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية، أو استثماره سياسيًّا في حال حدوث أي خرق أمني أو فشل إداري في إدارة الملف.

أخبار ذات علاقة

سجناء داعش في سوريا

في الليل ووسط "سرية تامة".. نقل 300 من سجناء داعش إلى العراق

كلفة باهظة

في هذا الإطار، قال الخبير في الشأن الأمني اللواء المتقاعد عماد علو لـ"إرم نيوز" إن "عملية نقل عناصر داعش واحتجازهم تثير تساؤلات كبيرة لم يعلن عنها حتى الآن، وفي مقدمتها أين سيتم احتجازهم تحديدًا، ومن سيتولى تأمين الحماية، وهل توجد أصلًا أماكن قادرة على استيعاب هذا العدد الكبير".

وأضاف أن "الكلفة المادية والمالية لهذه العملية غير واضحة، فضلًا عن طبيعة البرامج التي ستُعتمد للتعامل مع هؤلاء، وتصنيفهم وفق جرائمهم وأفكارهم، وما إذا كان العراق سيضطر إلى اقتطاع جزء من قواته الأمنية لتأمين هذه المواقع"، مشيرًا إلى أن "غياب الشفافية قد يصعب قبول الملف سياسيًّا وشعبيًّا".

وأوضح علو أن "الحكومة سبق أن تعاملت مع ملف مخيم الهول، وأعادت نحو 15 ألف عراقي بعد برامج تأهيل، لكن نقل عناصر تنظيم داعش الأجانب يختلف من حيث المخاطر والتداعيات، ويتطلب وضوحًا زمنيًّا ودوليًّا، ومشاركة فعلية من الدول المعنية، حتى لا يقع العبء كاملًا على الدولة العراقية".

وتضاربت الأنباء بشأن السجون التي ستستضيف عناصر تنظيم داعش، ففي وقت ذهب فيه مستشارون ومقرّبون من الحكومة إلى أن سجون سوسة في السليمانية، وكروبر في بغداد، إضافة إلى سجن الحوت في الناصرية، ستكون مواقع الاحتجاز المعتمدة، أشارت تصريحات صادرة عن وزارة الداخلية إلى أن السجون التي ستُودع فيها هذه العناصر تقع في محافظتي نينوى وبابل، وهو ما عمَّق حالة الغموض وأثار تساؤلات واسعة بشأن آليات الاختيار.

وتُثار مخاوف من حالات هروب معتقلين، خاصة أن الكثير من السجون العراقية في مختلف محافظات البلاد، سجلت على مدار السنوات الماضية حالات هروب كان آخرها الشهر الماضي في بابل، إذ تمكن سجينان من الهروب، قبل أن يُعتقل أحدهما لاحقًا.

أخبار ذات علاقة

جندي عراقي يُشرف على نقطة تفتيش في العاصمة بغداد

"ملف داعش".. ورقة ضغط جديدة تزيد تعقيد المشهد العراقي

مخازن أزمات

بدوره يرى المواطن أحمد كريم، من بغداد، أن "الشارع لا يعارض محاسبة الإرهابيين، لكنه يخشى أن تتحول المدن العراقية إلى مخازن أزمات جديدة"، معتبرًا أن "الأولوية اليوم يجب أن تكون للاستقرار والخدمات وفرص العمل، لا لإعادة فتح ملف داعش داخل المجتمع".

ويضيف لـ"إرم نيوز" أن "أي خطأ أمني، حتى لو كان محدودًا، ستكون كلفته اجتماعية ونفسية كبيرة؛ لأن الناس ما زالت تتذكر التفجيرات والخطف والقتل، ولم تستعد إحساسها الكامل بالأمان".

من جانبه، يرى المواطن أنس الشمري من نينوى، أن "الموضوع يعيد الخوف إلى محافظات دفعت ثمن داعش مرتين، مرة بالاحتلال، ومرة بالدمار"، مؤكدًا أن "أهالي نينوى لا يريدون سماع كلمة داعش مجددًا، سواء داخل السجون أو خارجها".

ويضيف لـ"إرم نيوز" أن "الحكومة الجديدة مطالبة بأن تشرح للناس ماذا تريد، وإلى متى سيبقى هذا الملف، ومن يتحمل مسؤوليته، لأن المجتمع هنا متعب ولا يحتمل صدمات جديدة".

ومع اقتراب تشكيل الحكومة الجديدة يتجه ملف نقل معتقلي "داعش" ليكون أحد أكثر الملفات اختبارًا لقدرتها على إدارة الملف، الذي تحول لرأي عام، مع ضرورة امتصاص الضغط الشعبي، وتحويل هذا القرار إلى مسار لا يفاقم القلق الاجتماعي، ولا يفتح أبواب أزمة إضافية في بلد مثقل أصلًا بالأزمات.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC