رئيس وزراء سلوفاكيا يعلن وقف إمدادات الكهرباء الطارئة لأوكرانيا

logo
منوعات

"العصيد".. وجبة يمنية تجمع بين موائد الأغنياء والفقراء في رمضان

العصيد اليمنيالمصدر: يوتيوب

تُعد وجبة "العصيد" من أقدم وأعمق الأطباق حضورًا في قلب المطبخ اليمني وخاصة في شهر رمضان، وهي ليست وجبة تقليدية، بل رمز اجتماعي وثقافي يرتبط بالهوية الريفية والقبلية، ويجسّد مفاهيم الكرم والتكافل والاحتفاء بالمناسبات.

تعود هذه الوجبة إلى جذور ضاربة في عمق التاريخ اليمني، حيث ارتبطت بزراعة الحبوب في المرتفعات اليمنية، خصوصًا الذرة والدخن، وهما من المحاصيل المقاومة للجفاف. ومع محدودية الموارد قديمًا، شكّلت "العصيد" حلًّا غذائيًّا ذكيًّا.

أخبار ذات علاقة

الفتّة المصرية

الفتّة المصرية.. "سلطانة" مائدة الإفطار في رمضان

وتقول الخبيرة الاجتماعية أصالة حدّاد، عن"العصيد": "لم تكن هذه الوجبة ترفًا، بل كانت الحلّ الغذائي العبقري لمواجهة محدودية الموارد، فبمكونات بسيطة تجمع بين (الدقيق والماء والملح)، استطاع الإنسان اليمني ابتكار وجبة ذات قيمة غذائية عالية، قادرة على إشباع عائلات ممتدة ومنح العمال والمزارعين طاقة تدوم لساعات طويلة في العمل الشاق".

وأفادت حدّاد، خلال حديثها لـ"إرم نيوز": "في اليمن، لا تُقاس بعض الأطباق بمكوناتها، بل بما تختزنه من معانٍ وذكريات، وما تختزله من طاقة وقيمة غذائية عالية، علاوةً على سهولة هضمها والقدرة على إشباع أعداد كبيرة، وهذا ما توفره وجبة العصيد".

وأضافت: "وجبة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة الجذور في الوجدان الشعبي، ممتدة عبر القرى والجبال والمدن والأرياف، حاضرة في الأفراح كما في أيام الكدّ والتعب، تجدها في مائدة الفقير والغني، على حدٍّ سواء".

اشتُقَّ اسم وجبة "العصيد"، من طريقة تحضيرها، إذ تتطلب تحريكًا مستمرًّا وتقليبها بقوة معينة، وهو ما يُسمى باللغة العربية الفصحى (عَصَد)، وهو فعل يوصف به ليّ وتقليب الأشياء، فالسرّ في هذه الوجبة يعود إلى تحريكها بشكل مستمر، عبر عصا خشبية، يُطلق عليها "المعصاد".

كما تحتاج لتحضيرها إلى نار هادئة بدرجة حرارة محدّدة، تُحافظ على نعومة الخليط بصورة متجانسة، دون أن تتسبّب بأي احتراق أسفل القدر، إلى جانب مهارة بدنية وخبرة في عصده بما يضمن تماسك الخليط دون تكتلات.

أخبار ذات علاقة

خبز البتاو

خبز البتاو.. سر المائدة الصعيدية وخزين الشتاء الدافئ

تُعدّ القدرة على "عصد" كميات كبيرة وبجودة عالية معيارًا للمهارة والخبرة المنزلية المعتبرة، كما تُفرّق بين جودة طباخ وآخر في المطاعم اليمنية الشعبية التي تُقدّم هذه الوجبة لمرتاديها.

ويصف مروان عبدالكريم، وهو طباخ في أحد المطاعم الشعبية، وجبة "العصيد" بالوجبة الأم في المائدة اليمنية، خصوصًا في المناطق الريفية والمحافظات الجبلية، إذ يُمكن بمرقها تناول أكثر من صنف من الطعام في وجبة واحدة.

وتتعدّد طرق تقديمها لتناسب كل سياق، فبينما تتربع "العصيد" بالمرق الحامض الممزوج باللحم والدجاج على عرش الطبق الرئيسي لهذه الوجبة، كما تأتي "العصيد" بالسمن والعسل كوجبة طاقة في الصباح الباكر خصوصًا للعمال والمزارعين، إلى جانب "العصيد" المخلوطة بـ"الحُلبة المخفوقة"، أو "السحاوق" الحار.

بالإضافة إلى "العصيد" بالتمر وهي وجبة شعبية للتحلية تمدّ الإنسان بالطاقة والحيوية، كما تُقدّم للمرأة التي خرجت من فترة الحمل والولادة، وهي فترة تعرف بـ"النفاس"، خصوصًا في المحافظات الشرقية، وقد تختلف طرق تقديمها وتفاصيل تناولها من منطقة إلى أخرى إلا أن "العصيد" يبقى ثابتًا في مختلف الأطباق اليمنية شمالًا وجنوبًا.

العصيد اليمني

ويُحرَص تقديمها في صحن دائري كبير أو "حرضة"، يلتف حوله الجميع، فهي من الوجبات الجماعية، التي لا تؤكل بشكل فردي إلا فيما ندر، ويجب أن تؤكل ساخنة جدًّا، فعند برودتها تفقد "العصيد" الكثير من خصائصها ومذاقها الشهي.

وفي نهاية المطاف، وعلى رغم تغيّر الأزمنة، لا تزال "العصيد" حاضرة في المائدة اليمنية، شاهدة على بساطة الأرض وعمق الهوية.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC