واشنطن بوست: الجيش الأمريكي قدم لترامب خطة للاستيلاء على اليورانيوم العالي التخصيب في إيران
بين أزقة قرية "الباب" في ريف حلب السوري، وُلد عام 1816 طفل ستحمل تجربته عبء الإسهام في تنوير أمة بأكملها، هو أحمد بن عمر مصطفى البابي الحلبي، الذي تشبّعت نفسه بكلمات المعرفة الأولى في "الكتاتيب" التقليدية، دون أن يعرف أن اسمه سيصبح مرادفا لنهضة الكتاب العربي.
ببراعة فطرية، أتقن فنون الطباعة والنشر، لكن حلمه كان أكبر من حدود قريته، فكان يتطلع إلى أفق أرحب وبيئة تحتضن طموحاته، فلم يجد وجهة للهجرة والمغامرة أفضل آنذاك إلا مصر، وفق ما يؤكده الباحث دكتور أشرف مؤنس في كتابه " مطبعة البابي الحلبي"، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة.
شدّ أحمد البابي الحلبي الرحال إلى القاهرة ضمن موجات الهجرة الشامية التي حملت معها التجار والفنانين، ليضع في 1859 حجر الأساس لمطبعته التي وُلدت كـ"جامعة شعبية"، أخذت على عاتقها صون الهوية العربية وتشكيل الوجدان المعرفي للأجيال المتعاقبة.
كان العالم العربي يعاني في ذلك التوقيت من ندرة الكتاب المطبوع، فجاءت المطبعة بمرتبة أداة لإحياء التراث وتمكنت من انتشال أمهات الكتب من أدراج المخطوطات الحبيسة في الخزائن المظلمة وزوايا التكايا المنسية، لتدفع بها إلى يد القارئ العادي وطالب العلم في أقاصي آسيا وأدغال أفريقيا.
بقيت المطبعة وفية لرسالتها حتى عام 1961، متميزة بدقة لغوية صارمة وتحقيق علمي لافت، كما كانت سباقة في جلب أحدث الآلات وتطوير الخطوط العربية، حتى ولدت "طبعة الحلبي" كعلامة تجارية بصرية عرفها القراء بوضوحها الفائق وندرة أخطائها المطبعية.
تحول "حي الحسين" الشهير بالقاهرة، بفضل وجودها، إلى قطب عالمي لتجارة الكتب، ومقصداً للمستشرقين وطلاب الأزهر والوراقين، كما أضحت المطبعة جسراً متيناً يربط بين عراقة الماضي وضرورات الحداثة.
ومن بين ما أهدته للمكتبة العربية، طبعات فاخرة لتفسير الطبري والقرطبي، وشروح صحيحي البخاري ومسلم، علاوة على أمهات كتب اللغة مثل "لسان العرب" وكنوز الأدب كـ"الأغاني" ودواوين فحول الشعراء كأحمد شوقي والمتنبي.