في العقدين الأخيرين، لجأت دول مثل الكونغو وتشاد إلى التمويل عبر التجار الدوليين، لسداد احتياجاتها المالية مقابل النفط الخام، ما أدخلها في دوامة ديون خطيرة تُعرف بـ"الديون الخفية".
هذا النموذج، الذي يطبق، اليوم، في الغابون، يعتمد على تمويل مسبق من التجار مقابل أصول إنتاجية، مع مخاطر كبيرة على المالية العامة للدول، وفق مجلة "جون أفريك".
في 2024، لجأت الغابون إلى شركة غونفور السويسرية لتمويل استحواذها على شركة أسالا للطاقة المستقلة بقيمة 1.3 مليار دولار، ثم أعادت تطبيق نفس النموذج في يوليو 2025 لشراء أصول شركة تولو أويل البريطانية مقابل 300 مليون دولار، مع سداد القرض عبر شحنات النفط.
بحسب محمد جوليان نداو، رئيس شركة أوكابي التجارية: "في حد ذاته، ليست صفقة سيئة، إذ تم استخدام الأموال للاستحواذ على أصل منتج، ما يولد إيرادات مستقبلية. لكن الدولة تراهن على ارتفاع أسعار النفط لتسديد الدين، وإذا انخفضت الأسعار، تمتد فترة السداد".
ومع ذلك، تحذّر تقارير صندوق النقد الدولي من أن هذه الآليات المالية، غالبًا، ما تكون معقدة ومبهمة، وتخفي جزءًا كبيرًا من الدين عن صانعي القرار والجمهور، مما يجعل الدول معرضة لمخاطر مالية طويلة الأمد.
بين 2000 و2010، حصلت الكونغو على سلسلة قروض مضمونة بالنفط من شركات مثل ترافيجورا وجلِينكور لتغطية ميزانية الدولة، مع التزام شركة النفط الوطنية الكونغولية (SNPC) بتسليم شحنات نفطية.
لكن الاعتماد المفرط على هذا النموذج، إلى جانب انخفاض أسعار النفط، أدى إلى ديون خفية تجاوزت الناتج المحلي الإجمالي، حيث بلغت 966 مليون دولار لترافيجورا و732 مليونًا لجلينكور، أي 120% من الناتج المحلي، بدل 77% المُعلَن رسميًا.
ونتيجة لذلك، اضطرّت الكونغو لإعادة هيكلة ديونها العام 2019، واعتماد ترتيبات تمويلية جديدة مع التجار في 2025، وسط استمرار ضغوط صندوق النقد الدولي لتعزيز الإصلاحات المالية.
تعرضت تشاد لمأزق مماثل بعد الانخفاض الحاد في أسعار النفط العام 2014، عندما أبرمت الشركة الوطنية SHT اتفاقية تمويل مع شركة جلينكور لشراء حصة شيفرون في حقل دوبا النفطي، بقيمة 1.4 مليار دولار، أي نحو 15٪ من الناتج المحلي.
مع تعثر السداد، اضطرت تشاد لتسليم معظم إنتاجها النفطي للتاجر، ما ضغط على ميزانية الدولة وأجبرها على خفض الإنفاق العام، قبل أن تحصل على تمديد فترة السداد وخفض سعر الفائدة من 7.5٪ إلى 2٪ في 2018.
ويؤكد NJ Ayuk، رئيس غرفة الطاقة الأفريقية أن "التمويل المسبق ليس مشكلة بحد ذاته، لكنه يتطلب شروطًا شفافة ومفاوضات دقيقة لتجنب أسعار فائدة مرتفعة وشروط غير مستدامة".
كما أن غياب الشفافية، وسرية البنود، واعتماد الدول على مواردها الاستخراجية، كل ذلك يحوّل هذا التمويل، الذي يُقدّم كشريان حياة للدول، إلى فخ محتمل يفاقم ضغوطها المالية.
وعلى الرغم من أن التمويل المسبق عبر التجار الدوليين يوفر بديلاً سريعًا للبنوك والمؤسسات الدولية، فإن غياب الشفافية، والتعقيد المالي، والاعتماد على النفط كضمان يجعل الدول الأفريقية الغنية بالموارد معرضة لمخاطر اقتصادية وجيوسياسية طويلة المدى، ما يستدعي إصلاحات هيكلية صارمة ورقابة مالية أكثر صرامة.