logo
اقتصاد

"الضحية الصامتة".. القارة السمراء تدفع الفاتورة الباهظة لإغلاق مضيق هرمز

سفن حربية تبحر في مضيق هرمزالمصدر: (أ ف ب)

منذ اندلاع الحرب في الثامن والعشرين من شباط/ فبراير الماضي، شنت إيران هجمات على نحو خمسة عشرة سفينة في الخليج العربي ومضيق هرمز وخليج عمان.

لكن الضحية الصامتة في هذا النزاع ليست السفن وحدها، بل قارة لم تُطلق رصاصة واحدة ولم تختر طرفًا، وستدفع فاتورة باهظة، إنها أفريقيا.

أخبار ذات علاقة

كايا كالاس

كالاس تبحث مع الأمم المتحدة تسهيل عبور النفط والغاز عبر مضيق هرمز

وتدرك طهران أن ميزان القوى العسكري لا يصب في صالحها، فلجأت إلى سلاح مختلف: إغلاق شريان الطاقة العالمي. فمضيق هرمز بعرضه البالغ 54 كيلومترًا يمر عبره 20% من إنتاج النفط والغاز العالمي يوميًا.

وفي العاشر من آذار/ مارس، أعلنت السلطات الإيرانية صراحة أنها لن تسمح بتصدير "لتر واحد من النفط" نحو ما سمتهم "معسكر العدو". وكان الأثر فوريًا، إذ تجاوز سعر برميل النفط في الثاني عشر من آذار/ مارس مئة دولار.

وزاد الأمر تعقيدًا أن إيران لجأت إلى الألغام البحرية، وهي أداة رادعة بامتياز. ورغم أن العدد الفعلي للألغام مجهول، إلا أن المخزون الإيراني يكفي لإثارة التردد لدى أي ناقلة، الأمر الذي أدى إلى انخفاض حركة الملاحة في هرمز بنسبة 90% منذ مطلع آذار/ مارس.

الشركات العملاقة تغيّر المسار

لم تنتظر كبرى شركات الشحن الدولي طويلًا. فقد علقت MSC، أكبر شركة شحن في العالم، جميع خدماتها من وإلى دول الخليج حتى إشعار آخر، وتبعتها ميرسك وكوسكو.

أما CMA CGM الفرنسية، التي وجدت أربع عشرة سفينة محاصرة في الخليج، فأعادت توجيه خدماتها نحو جنوب أفريقيا مع فرض رسوم طارئة تتراوح بين 75 و180 دولارًا على كل حاوية. وتحصّل ميرسك ما بين 1800 و3000 دولار لكل حاوية متجهة إلى الموانئ السعودية أو قادمة منها.

كما ضاعفت شركات التأمين أقساط تأمين الحرب أربع مرات على بعض الوجهات، ما زاد العبء المالي على حركة الشحن.

تهديد الحوثيين يفاقم الوضع

تلوح تهديدات الحوثيين في اليمن منذ الثامن والعشرين من شباط/ فبراير، بخصوص هجمات "وشيكة" في البحر الأحمر. وحتى لو لم تتحقق هذه التهديدات بعد، فإن مجرد وجود الحوثيين يجعل قناة السويس ومضيق باب المندب، اللذين يمران عبرهما 12% من التجارة العالمية، طرقًا خطرة للملاحين.

أمام هذا الواقع، لم يتبق أمام الحاويات القادمة من آسيا سوى خيار الدوران حول القارة الأفريقية عبر رأس الرجاء الصالح. وهذا يضيف أسبوعين إضافيين من الملاحة وزيادة بنسبة 30% في استهلاك الوقود، في وقت تجاوز فيه سعر برميل النفط مئة دولار. وفي سنغافورة، تضاعف سعر وقود السفن منذ بداية الحرب.

ويتجلى أثر هذا التراكم من تكاليف الوقود والتأمين والشحن على المستوردين الأفارقة قبل وصول البضائع إلى الرصيف. كما أدت ضربات الصواريخ الإيرانية والتهديدات الحوثية إلى تقليص مؤقت للنشاط الملاحي والجوي، مما دفع المستوردين إلى البحث عن تسليم مباشر أطول وأكثر تكلفة من الصين أو الهند.

وتزيد المشكلة أن الموانئ الأفريقية الكبرى، كمومباسا ولاغوس ودوربان، غير مجهزة لاستيعاب شحنات إضافية كبيرة.

الأزمة الأقل صخبًا من النفط، لكنها أشد خطورة على المدى المتوسط، هي أزمة الأسمدة. فكميات ضخمة من اليوريا، السماد الأساسي لملايين المزارعين الأفارقة، تعبر مضيق هرمز قادمة من قطر والسعودية والإمارات. ولا يقل حجمها عن 16 مليون طن سنويًا، ثلثاها يوريا.

تعتمد دول مثل السودان وتنزانيا والصومال وكينيا وموزمبيق بدرجة كبيرة على هذه الإمدادات. وإذا شحّت أو ارتفعت أسعارها، فإن موسم الحصاد المقبل قد يكون كارثيًا، لا سيما في السودان المنهك بالحرب الأهلية، حيث تقف مناطق عدة على حافة المجاعة قبل بدء هذه الحرب.

الأدوية وسلاسل التوريد

على صعيد الأدوية، تُورّد الهند نحو نصف احتياجات أفريقيا من الأدوية، بقيمة بلغت 3.9 مليارات دولار عام 2024. وأي اضطراب طويل الأمد في سلاسل التوريد البحرية قد يؤدي إلى أزمة صحية حقيقية.

الحرب التي أشعلها دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في الشرق الأوسط، وسط مخاوف من اتساع رقعتها يومًا بعد يوم، تستعر نيرانها في طهران، لكن دخانها يصل إلى الخرطوم ونيروبي ولاغوس، ما يعكس حجم التداعيات الاقتصادية والأمنية على القارة الأفريقية.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC