
بينما تنشغل الرادارات الأمريكية بمراقبة بحر الصين الجنوبي، يتسلل التنين نحو "الحديقة الخلفية" من البوابة الأكثر هدوءاً. الاتفاق التجاري الوشيك بين بكين وأوتاوا يضع واشنطن أمام كابوس استراتيجي غير مسبوق.. فالمسألة تتجاوز صفقات التبادل التجاري، لتصل إلى تآكل قدرة الولايات المتحدة على احتكار الفضاء الاقتصادي لحلفائها.
تهديدات الرئيس دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية تصل إلى مئة بالمئة على كندا، تعكس رعباً من تحول الجار الشمالي إلى "حصان طروادة" صيني، وجرحاً غائراً في جسد التحالفات التاريخية.
واشنطن ترى في التقارب الكندي الصيني اختراقاً لسلاسل الإمداد، وتسللاً للبضائع الصينية بعيداً عن مقصلة التعريفات الأمريكية. الأمر يتخطى الاقتصاد، إذ يخشى صانع القرار الأمريكي تحول الاتفاق إلى غطاء لمراكز تجسس أو قواعد عسكرية تهدد الأمن القومي من نقطة التماس الصفرية.
داخل أروقة الحزب الجمهوري، تتعالى الأصوات المحذرة، سياسات ترامب "المنفردة" ربما مهدت طريقاً سريعاً لبكين لمحاصرة أمريكا من الشمال والجنوب. بكين التي تتقن "لعبة المقايضة" الكبرى. تحاصر واشنطن بذكاء، مستغلةً تصدعات الشراكة بين الحلفاء. والهدف النهائي هو إجبار الولايات المتحدة على التراجع عن حضورها في تايوان مقابل تأمين حدودها. إنها استراتيجية "الورقة الوحيدة" التي تضع السيادة الكندية في قلب عاصفة التنافس بين القوى العظمى، حيث تسعى بكين لإخراج واشنطن من بحر الصين عبر الضغط من بوابة أوتاوا. وكندا تجد نفسها مضطرة لتنويع أسواقها. الاعتماد الكلي على واشنطن بات مقامرة غير مضمونة في ظل تقلبات البيت الأبيض.
في الجنوب، تكتمل الصورة.. الكاريبي تحول إلى ساحة نفوذ صيني بامتياز عبر استثمارات ضخمة تخلق حصاراً ناعماً يطوق العمق الأمريكي. بكين في هذه الرقعة الشاسعة، من فنزويلا إلى البرازيل.. تضع قواعد اللعبة عبر استثمارات ضخمة ومشاريع بنية تحتية. هذا التمدد الجنوبي، حين يلتقي مع الاتفاق التجاري الكندي المرتقب، يضع أمريكا في قلب "لعبة المقايضة" الكبرى. بكين تضغط من الشمال والجنوب، والهدف الواضح: إجبار واشنطن على تقديم تنازلات مؤلمة حول تايوان.
لكن واشنطن، عبر "مبدأ دونرو"، تقول لصناع القرار في بكين إن ما يُبنى بالدبلوماسية يمكن تفكيكه بالقوة العسكرية. الأخطر من ذلك هو دروس "سابقة فنزويلا" التي قد تنتقل عدواها إلى أي دولة أخرى في أمريكا اللاتينية.. وهو ما يجعل الصين تتحرك بحذر شديد: صوت عالٍ في مجلس الأمن وحركة محسوبة على الأرض، إدراكاً منها أن حماية الإمبراطورية التجارية تحتاج أساطيل تضاهي حاملات الطائرات الأمريكية.