
ألف وثلاثمئة عام والرفرفة لم تتوقف، هنا في قلب دمشق، جيش رمادي لا يحمل سلاحًا، يحرس السكينة بضربات أجنحته، لماذا اختار الحمام "الأموي" تحديدًا ليكون وطنه الأبدي؟
الحكاية ليست طيورًا جائعة وبذور قمح؛ إنها عقد أمانٍ غير مكتوب، وُقّع عام 705 ميلادية، منذ لحظة وضع الوليد بن عبد الملك للحجر الأول، بنى الحمام مدنه الخاصة في ثقوب الجدران العتيقة، يسكن المآذن، ويراقب التاريخ وهو يمر، ويرفض الهجرة.
عند دخول الساحة، أنت لا تمشي على البلاط، أنت تسير وسط أسطورة حية، مشهد يكسر الزمن؛ تلتقي أعمدة "جوبيتر" الغارقة في القدم بفخامة العمارة الأموية، وفي المنتصف أسرابٌ تعرف الوجوه تمامًا.
يتحول إطعام الحمام من "صدقة" إلى "طقس حياة"، الأطفال لا يطعمون طيرًا، هم يطاردون الفرح بين الرفرفة والهديل، الزوار لا يوزعون القمح عبثًا، يودعون أسرارهم ودعواتهم في حواصل هذه الكائنات الوديعة، خاصة في رمضان، تصبح "الحفنة" صلة وصل مع السماء، وفعل خير يتجاوز الكلمات.
هو "روح المكان" التي تسبقك إلى الأسواق القديمة، من الحميدية إلى البزورية، هو الدليل الذي يخبرك أنك الآن في دمشق، حيث السلام ليس شعارًا، بل هو طائرٌ لا يخاف البشر.