
لم تكن إيران مجرد دولة تدعم الميليشيات في الشرق الأوسط بل كانت مهندسها الأول
من لبنان إلى العراق وسوريا واليمن..
بنت طهران شبكة معقدة من الجماعات المسلحة لتقاتل بالوكالة وتحمي نفوذها خارج حدودها، لكن المفارقة الصادمة اليوم هي أن النموذج نفسه عاد إلى الداخل الإيراني.
فبعد الضربة التي أطاحت برأس النظام انهار مركز القرار في طهران وظهر ما كان مخفياً داخل بنية السلطة.
الحرس الثوري، العمود الفقري للنظام، لم يعد قوة مركزية موحدة بل شبكة وحدات موزعة تعمل وفق ما تسميه طهران "الدفاع الفسيفسائي". خطة تقوم على مبدأ بسيط وخطير في آن واحد: إذا سقط المركز.. تستمر الحرب.
منذ اغتيال خامنئي الذي كان يتحكم بإيقاع البلاد بحساسية عالية، سادت الفوضى والتخبط في كل القرارات والمواقف خصوصاً في أروقة المؤسسات العسكرية وما كانت طهران تصنعه من مليشيات في الخارج أصبح واقعاً داخلياً..
إيران تحولت إلى دولة ميليشيات كلٌّ يسير بقراره بلا قيادة مركزية واضحة واللافت أن التخطيط لهذا السيناريو كان جارياً منذ أشهر لكن النتائج جاءت مغايرة تماما لما توقّع النظام..
بعد الحرب القاسية مع الولايات المتحدة وإسرائيل العام الماضي أدركت طهران أن النهج القديم لم يعد يكفي الضربة مقابل الضربة لم تعد تحمي النظام بل على العكس كل مواجهة أنهكت إيران وأضعفتها.
قادة عسكريون سقطوا وأجزاء من البرنامج النووي تدمرت والدفاعات الجوية تضررت والنظام وجد نفسه عاجزا عن السيطرة.
وهنا بدأ التحول الجذري.. إيران لم تعد تسعى لاحتواء الحرب بل ترغب في توسيعها لتشمل المنطقة والممرات الحيوية والاقتصاد العالمي خشية أن تصبح الضربة القادمة نهائية.
ظهر حينها ما تُسميه طهران بـ"خطة الدفاع الفسيفسائي".. نموذج لامركزي أعلنته إيران عام 2005 يعتمد على أن المعركة لا تتوقف إذا سقط المركز ولا تتجمد إذا انقطعت الأوامر وفقاً لصحيفة وول ستريت جورنال.
تم توزيع الحرس الثوري على 31 مركز قيادة لكل محافظة مركز إلى جانب العاصمة، تتدرب هذه الوحدات على القتال التقليدي وحرب العصابات مستغلة الجغرافيا المعقدة لإيران.
في الداخل يأتي دور الباسيج التشكيل العسكري الذي يضم مئات الآلاف من المتطوعين الموجودين في كل حي وكل مدينة حتى في المساجد.. بينما يحمي الحرس الثوري النظام من الخارج.
النظام الذي كان يتحكم بالبلاد صار اليوم بلا بوصلة بلا مركز بلا قيادة حقيقية معرضاً للفوضى والانقسامات.. وكل فكرة مغايرة تتحول إلى تهديد له.