
على بُعد مئتين وثمانين كيلومتراً فقط من الحدود الصينية، وفي بقعة منسية من خريطة الشرق الروسي الشاسعة، حدث أمرٌ غيّر حسابات المحللين العسكريين بالكامل.
صور الأقمار الصناعية لا تكذب. هناك، في قاعدة "دزيومجي" الجوية، اصطفت "أشباح" الكرملين في العراء للمرة الأولى بهذا الزخم. إنها الـ سوخوي سو-57، المقاتلة التي كان يُفترض أن تقلب موازين القوى فوق كييف، شوهدت وهي تحشد ثلاثة أرباع أسطولها في "أقصى نقطة ممكنة" عن جبهة القتال.
لماذا الآن؟ ولماذا هناك؟
يشير تقرير "ناشيونال إنترست" إلى وجود 15 مقاتلة من طراز سوخوي سو-57 الملقبة بـ"فيلون" في هذه القاعدة النائية. وبالنظر إلى أن روسيا لا تملك سوى 20 إلى 25 طائرة من هذا الجيل الخامس، فإننا نتحدث عن هجرة جماعية لأسطول النخبة.
التفسير الأول ليس سياسياً، بل عسكرياً بحتاً، هو النجاة. فالذاكرة الروسية ما زالت تتألم من "عملية بيت العنكبوت" الأوكرانية، ومن ضربة قاعدة "أختوبينسك" في يونيو 2025 التي أصابت طائرتين من هذا الطراز الثمين.
موسكو تدرك اليوم أن مسيّرات كييف وصائدي الرؤوس يمكنهم الوصول إلى العمق، وقررت أن "جواهر التاج" أغلى من أن تُترك للمصادفة.
لكن هناك بُعداً آخر للقصة. قاعدة "دزيومجي"تقع في ظلال مصنع "غاغارين" العملاق، مهد صناعة السوخوي. ربما عادت هذه الطيور الجارحة لتلقي "قلوبا" جديدة.. محركات "إيزديليه 177" المطورة التي وعدت بها شركة "روستيك" لتعزيز قدرات التخفي والمناورة.
إلا أن التحدي الأكبر يبقى قائماً.. ففي الوقت الذي تحاول فيه "سوخوي" حماية سمعتها التسويقية، تبدو هذه الطائرات في الصور وكأنها لاجئة في وطنها.. تهرب من الحرب لتنجو بالبقاء. فهل تنجح موسكو في إقناع العالم بسلاحٍ يخشى صانعوه، على ما يبدو، زجّه في أتون المعركة؟