الإمارات: استهداف منشآت الطاقة المرتبطة بحقل بارس "تهديد لأمن الطاقة العالمي"
يرى خبراء أن وعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتأمين عبور ناقلات النفط "قريباً جداً" تصطدم بواقع جغرافي وعسكري شديد التعقيد في مضيق هرمز.
فبينما لم تُبحر ناقلة واحدة تحت الحماية الأمريكية حتى الآن، يكشف تحليل لصحيفة "لكسبريس" الفرنسية أن العائق ليس سياسياً فحسب، بل يكمن في "4 كيلومترات" هي عرض ممر الملاحة الفعلي، والتي تحولت إلى مصيدة عسكرية.
المضيق بأكمله لا يتجاوز 33 كيلومتراً عرضاً في أضيق نقاطه. لكن العرض الحقيقي القابل للملاحة لا يتعدى 2 من الأميال البحرية في كل اتجاه، أي ما يعادل 4 كيلومترات تقريباً لكلا المسارين، هذا الممر الضيق يمرّ عبره 20% من نفط العالم وغازه الطبيعي المسال.
ومنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/ شباط، لم يعبر المضيق سوى 47 سفينة شحن وناقلة نفط خلال الفترة الممتدة من 2 إلى 14 مارس/ آذار وفق مركز العمليات البحرية التجارية البريطاني (UK Maritime Trade Operations)، بينما قصفت إيران 18 سفينة على الأقل في منطقة الخليج منذ بدء العمليات. وبات سعر برميل خام برنت يتجاوز مئة دولار.
الباحثة البحرية جينيفر باركر من جامعة نيو ساوث ويلز في كانبيرا، والضابطة السابقة في البحرية الأسترالية، تضع الإصبع على الجرح: المشكلة الأولى هي الضيق الشديد لمسار الملاحة.
المدمرات الحربية المُكلَّفة بحماية ناقلات النفط العملاقة، التي يصل طول بعضها إلى نحو 3 ملاعب كرة قدم، تحتاج إلى مساحة كافية للمناورة وتحديد زوايا الإطلاق على الأهداف القادمة من الدرونات أو الصواريخ وهذه المساحة شبه معدومة في هرمز.
المشكلة الثانية أعمق: الجانب الإيراني من المضيق تُطلّ عليه جبال وُضعت عليها المنصات الصاروخية والطائرات المسيّرة، "الفارق الزمني بين رصد التهديد والاضطرار للرد قصير جداً، جداً"، كما تقول باركر بعبارة أخرى، حين تكتشف الرادارات الأمريكية صاروخاً أو مسيّرة إيرانية تنطلق من تلك المرتفعات، قد لا يكفي الوقت للتصدي له قبل إصابة الهدف.
أما المحلل كارل شوستر، الرائد السابق في البحرية الأمريكية، يفصّل ما تتطلبه العملية فعلياً: ربما 10 مدمرات على الأقل لتأمين الممر، مع تغطية جوية دائمة من مروحيات وطائرات هجومية جاهزة لاعتراض الطائرات المسيّرة والصواريخ، فضلاً عن طائرات الإنذار المبكر والسيطرة الجوية المعروفة بـ"أواكس"(AWACS) التي تمسح الأجواء عمقاً في الأراضي الإيرانية، إضافة إلى طائرات استطلاع مسيّرة تراقب السواحل الإيرانية باستمرار.
والأخطر أن القوات الإيرانية القادرة على تهديد هذه العمليات منتشرة ومتنقلة: مسيراتها وصواريخا على شاحنات، ومنصات إطلاق يمكن نشرها من قوارب صيد عادية أو مراكب ترفيهية.
ما لا يُقال كثيراً في الخطاب الرسمي الأمريكي هو أزمة الألغام البحرية. البحرية الأمريكية سحبت مطلع يناير/ كانون الثاني الماضي آخر 4 سفن لكنس الألغام كانت مرابطة في الخليج العربي، وأرسلتها إلى الولايات المتحدة لإخراجها من الخدمة.
خطط وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون تقضي بتعويضها بأربع من سفن القتال الساحلي (LCS) المجهّزة بوحدات كنس الألغام، لكن قبيل اندلاع الحرب لم يكن في المنطقة سوى 3 منها فقط. هذه السفن خفيفة التسليح مقارنة بالمدمرات، مما يجعلها عُرضة للهجوم إن تركت دون حماية كافية.
الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية أرسينيو دومينغيز نقل لصحيفة "الفايننشال تايمز" ما هو أبعد من الحسابات العسكرية: عشرات السفن المحاصرة في الخليج تنفد منها المؤن والمياه والوقود، وطواقمها عالقون دون أفق لفك الحصار.
وأضاف "السفن لا تستطيع الإبحار بحرية، والموانئ تتعرض للقصف. في مرحلة ما ستنتهي الإمدادات ولن تتمكن السفن من الاستمرار"، داعيا الشركات البحرية صراحةً إلى "عدم الإبحار وعدم تعريض الملاحين والسفن للخطر"، المنظمة عقدت مجلسها الاستثنائي الأربعاء والخميس لبحث الأوضاع الطارئة في الخليج.
والجواب الأكثر إيلاماً جاء من دومينغيز نفسه حين سُئل عن جدوى الحماية العسكرية: "إنها تُقلّل المخاطر لكنها لا تُلغيها. الناقلات والبحارة لا يزالون في خطر"، ثم أضاف بمرارة: "نحن ضحايا عرضيون لنزاع لا علاقة لأسبابه العميقة بالملاحة البحرية".
أمام هذا الواقع، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الثلاثاء الماضي، بوضوح تام أن فرنسا "لن تشارك أبداً في عمليات فتح مضيق هرمز في السياق الراهن"، موقف يُلخّص الهوّة الفاصلة بين ما يطلبه ترامب وما يستطيع أو يريد حلفاؤه فعله.