logo
العالم

هل فشل ترامب بتحقيق "توازن النصر" في إيران؟

حاملة الطائرات التابعة للبحرية الأمريكية يو إس إس جيرالد آر المصدر: رويترز

ترى مجلة "فورين أفيرز"، أن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة ضد إيران لا تعكس فقط تصعيدًا عسكريًا، بل تكشف عن خلل أعمق في التفكير الإستراتيجي الأمريكي، حيث تنفصل الأهداف السياسية عن الوسائل العسكرية، ما يجعل كلفة الحرب مرشحة لتجاوز مكاسبها بكثير.

وبحسب تحليل المجلة، فإن المشكلة الأساسية لا تتعلق بقدرة واشنطن على إلحاق الضرر بإيران، بل بعجزها عن ترجمة هذا الضرر إلى نتيجة سياسية واضحة يمكن اعتبارها "نصرًا" بالمعنى الاستراتيجي.

حرب بلا تعريف للنصر

وأوضحت المجلة في تحليلها أن أي حرب، كي تكون مبررة، يجب أن تقوم على هدف سياسي محدد وإستراتيجية قابلة لتحقيقه بكلفة مقبولة، لكن في الحالة الإيرانية، لا يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد نجحت في تحقيق هذا التوازن.

أخبار ذات علاقة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

مُهل ترامب لإيران.. إنذارات حقيقية أم "تراجع تحت الضغط"؟

فالأهداف المعلنة تراوحت بين القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وتدمير القدرات الصاروخية والبحرية، وصولًا إلى إسقاط النظام، هذا التعدد، الذي قد يبدو للوهلة الأولى تكامليًا، يعكس في الواقع غياب ترتيب واضح للأولويات، بحسب ما تفيد به قراءة المجلة.

وأضافت المجلة أن الخطر هنا يكمن في "إزاحة الهدف"، حيث تتحول العمليات العسكرية إلى غاية بحد ذاتها، تحقق نجاحات تكتيكية، لكنها لا تخدم الغاية السياسية الكبرى.

جزّ العشب

وفي تفكيكها لمسارات الحرب، أشارت المجلة إلى أن الحد الأقصى من الأهداف، أي تغيير النظام، يبدو غير قابل للتحقق، فالضربات العسكرية، بدل أن تُضعف النظام، ساهمت في تعزيز تماسكه الداخلي، ورفع مستوى العداء تجاه الولايات المتحدة.

أما الحد الأدنى، والمتمثل في إضعاف إيران عبر ضربات متكررة، فهو بدوره لا يقدم حلًا مستدامًا، بل يؤسس لنمط من الصراع المفتوح، حيث يتم احتواء التهديد بدل إنهائه، وفقًا للمجلة.

وأوضحت المجلة أن هذا النهج، المعروف بـ"جزّ العشب"، يقوم على افتراض أن تكرار الضربات يمكن أن يمنع إيران من إعادة بناء قدراتها، إلا أن هذا الافتراض يتجاهل عاملين أساسيين: قدرة طهران على التكيف، وتصاعد دوافعها للرد.

الردع المعكوس

وذهب التحليل إلى أن الحرب، رغم نجاحها في إضعاف القدرات الإيرانية، قد تكون في الوقت ذاته قد زادت من احتمال استخدام هذه القدرات، فإيران، التي تعرضت لضربات قاسية، واستهداف مباشر لقياداتها، بات لديها حافز أكبر للرد، سواء عبر أدوات تقليدية أو غير تقليدية.

ونوهت المجلة إلى أن طهران قد تلجأ إلى استهداف مصالح أو شخصيات أمريكية بطرق غير مباشرة، ما يفتح الباب أمام تصعيد تدريجي يصعب احتواؤه.

كما أن الضربات المتكررة تدفع إيران إلى تطوير أساليب أكثر تعقيدًا لإخفاء قدراتها، ما يقلل من فاعلية أي عمليات مستقبلية، ويجعل تقييم نتائج الضربات أكثر غموضًا.

خيارات غير قابلة للتطبيق

ورأت المجلة في تحليلها، أن القضاء الكامل على التهديد الإيراني يتطلب أحد خيارين: إما اتفاق سياسي موثوق، أو تدخل عسكري شامل. لكن كلا الخيارين يواجه عقبات كبيرة.

فالاتفاق السياسي، بحسب المجلة، أصبح أقل احتمالًا في ظل تآكل الثقة، خاصة بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي السابق، وتنفيذ ضربات عسكرية خلال فترات تفاوض.

أما الغزو البري، فهو خيار شبه مستحيل، نظرًا لحجم إيران وتعقيد جغرافيتها، فضلًا عن الكلفة البشرية والاقتصادية الهائلة التي سيتطلبها.

وبذلك، تجد الولايات المتحدة نفسها، وفق التحليل، عالقة بين خيار غير قابل للتطبيق وآخر غير قابل للاستدامة.

تكلفة تتجاوز ساحة المعركة

لا تقتصر تداعيات الحرب على الجانب العسكري، بل تمتد إلى الاقتصاد والسياسة العالمية، فبحسب المجلة، تكبدت الولايات المتحدة بالفعل مليارات الدولارات خلال الأسابيع الأولى من الحرب، إلى جانب ضغوط متزايدة على مخزوناتها من الأسلحة المتقدمة.

أخبار ذات علاقة

جنود من الجيش الأوغندي

أفريقيا تشتعل.. الحرب تكشف "معركة النفوذ" بين إسرائيل وإيران

كما أن الانخراط العميق في الصراع مع إيران قد يأتي على حساب أولويات إستراتيجية أخرى، مثل الحرب في أوكرانيا أو التنافس مع الصين، وهو ما يعيد توزيع الموارد الأمريكية بطريقة قد تضعف موقعها العالمي. 

وتشير قراءة المجلة إلى أن بعض القرارات، مثل تخفيف القيود على إمدادات النفط العالمية، تعكس بالفعل هذا التوتر بين إدارة الأزمة الحالية والحفاظ على توازنات أوسع.

نافذة تفاوض ضيقة

رغم أن الحل التفاوضي يظل نظريًا الخيار الأكثر استدامة، إلا أن فرص تحقيقه تبدو محدودة، فأي اتفاق جديد سيتطلب درجة من الثقة المتبادلة، وهو ما تضرر بشدة خلال السنوات الماضية، سواء بسبب الانسحاب من الاتفاق السابق أو العمليات العسكرية التي نُفذت أثناء مسارات تفاوضية.

ورأت المجلة أن فرض شروط على إيران في ظل هذا السياق لن يؤدي إلى اتفاق مستقر، بل قد يعمق حالة المواجهة.

تقليص القوة وتعظيم المخاطر

في المحصلة، تخلُص "فورين أفيرز" إلى أن الحرب حققت نتيجة مزدوجة، فقد "خفضت من قدرة إيران على تنفيذ هجمات واسعة النطاق، لكنها رفعت في المقابل من احتمال لجوئها إلى استخدام أدوات أقل قوة وأكثر خطورة من حيث التوقيت والطبيعة".

وبذلك، تجد واشنطن نفسها أمام معادلة معقدة، مفادها: "نجاح تكتيكي لا يتحول إلى مكسب إستراتيجي، وصراع مفتوح قد يستمر دون أفق واضح للإنهاء".

وفي ظل غياب إستراتيجية تربط بين الهدف والوسيلة، يحذّر التحليل من أن الولايات المتحدة قد تكون دخلت حربًا لا تعرف كيف تنهيها، ولا ما الذي يشكّل فيها "نصرًا" حقيقيًا.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC