كشفت صحيفة "واشنطن بوست" أنه مع الساعات الأولى للضربات العسكرية التي استهدفت إيران، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة تكررت في تجاربها السابقة؛ إسقاط خصم استراتيجي بسرعة، ثم مواجهة تداعيات سياسية وأمنية معقدة في مرحلة ما بعد الصراع.
كما أن التاريخ الحديث يظهر أن واشنطن نجحت مراراً في إضعاف أو إسقاط أنظمة معادية، لكنها واجهت صعوبات كبيرة في إدارة الفراغ الذي يخلّفه ذلك.
وجاء مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في سياق سلسلة عمليات استهدفت خصوم الولايات المتحدة خلال العقود الماضية، مثل إسقاط نظام طالبان في أفغانستان عام 2001، والإطاحة بصدام حسين في العراق عام 2003، وإسقاط معمر القذافي في ليبيا عام 2011، إضافة إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في وقت سابق من هذا العام.
غير أن هذه العمليات غالباً ما تبعتها فترات طويلة من عدم الاستقرار أو صراعات داخلية، رغم محاولات واشنطن دعم أنظمة سياسية جديدة.
في المقابل، يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتبع نهجاً مختلفاً في التعامل مع إيران. فبدلاً من نشر قوات أمريكية أو الانخراط في عملية إعادة بناء سياسية، دعا ترامب الإيرانيين إلى تولي مسؤولية مستقبلهم بأنفسهم، قائلاً في خطاب متلفز إن الفرصة باتت أمام الشعب الإيراني لإعادة تشكيل حكومته.
هذا التوجه أثار قلق عدد من الحلفاء في أوروبا والشرق الأوسط، الذين يرون أن غياب خطة واضحة لمرحلة ما بعد الضربات قد يفتح الباب أمام حالة من الفوضى أو الصراع الداخلي.
كما حذر بعض المسؤولين الأمنيين من أن أي فراغ في السلطة قد يؤدي إلى اضطرابات إقليمية، أو هجمات غير تقليدية، أو تعطيل لحركة التجارة العالمية.
وفي واشنطن، أثار النهج الأمريكي جدلاً سياسياً. فقد اعتبر بعض المشرعين أن الاستراتيجية الحالية تقوم على توجيه ضربة عسكرية دون تصور واضح لكيفية إدارة المرحلة التالية.
في المقابل، يرى مؤيدو الإدارة أن هدف الولايات المتحدة يقتصر على منع إيران من الاستمرار كدولة راعية للإرهاب، وليس فرض نظام سياسي جديد.
ووفق تقارير استخباراتية، درست وكالة الاستخبارات المركزية عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل الحكم في إيران بعد خامنئي.
وتشير التقديرات إلى أن الحرس الثوري الإيراني قد يكون الجهة الأكثر قدرة على السيطرة على السلطة، في ظل ضعف المعارضة وغياب قيادة موحدة لها.
ويحذر خبراء أمنيون من أن إيران، التي تضم نحو 90 مليون نسمة وتتميز بتنوع عرقي وسياسي، قد تواجه سنوات من الصراعات الداخلية إذا انهار النظام القائم بشكل مفاجئ.
وتعكس هذه المخاوف دروساً مستفادة من تجارب سابقة، مثل العراق وأفغانستان وليبيا، حيث أدى إسقاط الأنظمة إلى فراغ سياسي وأمني استمر لسنوات.
ومع ذلك، تبدو الإدارة الأمريكية الحالية مصممة على تجنب أي التزام عسكري طويل الأمد، في محاولة لتفادي التكاليف السياسية والاقتصادية التي رافقت الحروب الأمريكية السابقة في الشرق الأوسط.